فهرس الكتاب

الصفحة 2377 من 4314

و قال الراغب: الباطل نقيض الحق وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه قال تعالى:"ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل"وقد يقال ذلك في الاعتبار إلى المقال والفعال يقال: بطل بطولا وبطلا بطلانا وأبطله غيره قال عز وجل:"و بطل ما كانوا يعملون"وقال:"لم تلبسون الحق بالباطل".

انتهى موضع الحاجة.

فبطلان الشيء هو أن يقدر للشيء نوع من الوجود ثم إذا طبق على الخارج لم يثبت على ما قدر ولم يطابقه الخارج والحق بخلافه فالحق والباطل يتصف بهما أولا الاعتقاد ثم غيره بعناية ما.

فالقول نحو السماء فوقنا والأرض تحتنا يكون حقا لمطابقة الواقع إياه إذا فحص عنه وطبق عليه ، ولقولنا: السماء تحتنا والأرض فوقنا كان باطلا لعدم ثباته في الواقع على ما قدر له من الثبات ، والفعل يكون حقا إذا وقع على ما قدر له من الغاية أو الأمر كالأكل للشبع والسعي للرزق وشرب الدواء للصحة مثلا إذا أثر أثره وبلغ غرضه ، ويكون باطلا إذا لم يقع على ما قدر عليه من الغاية أو الأمر والشيء الموجود في الخارج حق من جهة أنه موجود كما اعتقد كوجود الحق تعالى ، والشيء غير الموجود وقد اعتقد له الوجود باطل وكذا لو كان موجودا لكن قدر له من خواص الوجود ما ليس له كتقدير الاستقلال والبقاء للموجود الممكن فالموجود الممكن باطل من جهة عدم الاستقلال أو البقاء المقدر له وإن كان حقا من جهة أصل الوجود قال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

وكل نعيم لا محالة زائل.

والآية الكريمة من غرر الآيات القرآنية تبحث عن طبيعة الحق والباطل فتصف بدء تكونهما وكيفية ظهورهما والآثار الخاصة بكل منهما وسنة الله سبحانه الجارية في ذلك ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا.

بين تعالى ذلك بمثل ضربه للناس ، وليس بمثلين كما قاله بعضهم ولا بثلاثة أمثال كما ذكره آخرون كما سنشير إليه إن شاء الله وإنما هو مثل واحد ينحل إلى أمثال فقال تعالى:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا"وقوله:"أنزل"فعل فاعله هو الله سبحانه لم يذكر لوضوحه ، وتنكير"ماء"للدلالة على النوع وهو الماء الخالص الصافي يعني نفس الماء من غير أن يختلط بشيء أو يشوبه تغير ، وتنكير"أودية"للدلالة على اختلافها في الكبر والصغر والطول والقصر وتغايرها في السعة والوعي ، ونسبة السيلان إلى الأودية نسبة مجازية نظير قولنا: جرى الميزاب وتوصيف الزبد بالرابي لكونه طافيا يعلو سيل دائما وهذا كله بدلالة السياق ، وإنما مثل بالسيل لأن احتمال الزبد الرابي فيه أظهر.

والمعنى: أنزل الله سبحانه من السماء وهي جهة العلو ماء بالأمطار فسالت الأدوية الواقعة في محل الأمطار المختلفة بالسعة والضيق والكبر والصغر بقدرها أي كل بقدره الخاص به فالكبير بقدره والصغير بقدره فاحتمل السيل الواقع في كل واحد من الأودية المختلفة زبدا طافيا عاليا هو الظاهر على الحس يستر الماء سترا.

ثم قال تعالى:"و مما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله"من نشوية وما يوقدون عليه أنواع الفلزات والمواد الأرضية القابلة للإذابة المصوغة منها آلات الزينة وأمتعة الحياة التي يتمتع بها والمعنى ويخرج من الفلزات والمواد الأرضية التي يوقدون عليها في النار طلبا للزينة كالذهب والفضة أو طلبا لمتاع كالحديد وغيره يتخذ منه الآلات والأدوات ، زبد مثل الزبد الذي يربو السيل يطفو على المادة المذابة ويعلوه.

ثم قال تعالى:"كذلك يضرب الله الحق والباطل"أي يثبت الله الحق والباطل نظير ما فعل في السيل وزبده وما يوقدون عليه في النار وزبده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت