فالمراد بالضرب - والله أعلم - نوع من التثبيت من قبيل قولنا: ضربت الخيمة أي نصبتها وقوله: ضربت عليهم الذلة والمسكنة أي أوقعت وأثبتت وضرب بينهم بسور أي أوجد وبني ، واضرب لهم طريقا في البحر أي افتح وثبت وإلى هذا المعنى أيضا يعود ضرب المثل لأنه تثبيت ونصب لما يماثل الممثل حتى يتبين به حاله ، والجميع في الحقيقة من قبيل إطلاق الملزوم وإرادة اللازم فإن الضرب وهو إيقاع شيء على شيء بقوة وعنف لا ينفك عادة عن تثبيت أمر في ما وقع عليه الضرب كثبوت الوتد في الأرض بضرب المطرقة وحلول الألم في جسم الحيوان بضربه فقد أطلق الضرب وهو الملزوم وأريد التثبيت وهو الأمر اللازم.
ومن هنا يظهر أن قول المفسرين إن في الجملة حذفا أو مجازا والتقدير كذلك يضرب الله مثل الحق والباطل أو مثل الحق ومثل الباطل - على اختلاف تفسيرهم - في غير محله فإنه تكلف من غير موجب ولا دليل يدل عليه.
على أنه لو أريد به ذلك لكان موضعه المناسب له هو آخر الكلام وقد وقع فيه قوله تعالى:"كذلك يضرب الله الأمثال"وهو يغني عنه.
على أن ما ذكروه من المعنى يرجع إلى ما ذكرناه بالآخرة فإن كون حديث السيل والزبد أو ما يوقد عليه والزبد مثلا للحق والباطل يوجب كون ثبوت الحق نظير ثبوت السيل وثبوت ما يوقد عليه ، وكون ثبوت الباطل نظير ثبوت الزبد فلا موجب للتقدير مع استقامة المعنى بدونه.
ثم قال تعالى:"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"جمع بين الزبدين أعني زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه وقد كانا متفرقين في الذكر لاشتراك الجميع فيما يذكر من الخاصة وهو أنه يذهب جفاء ، ولذا قدمنا آنفا أن الآية تتضمن مثلا واحدا وإن انحل إلى غير واحد من الأمثال.
وقد عدل عن ذكر الماء وغيره إلى قوله:"و أما ما ينفع الناس"للدلالة على خاصة يختص بها الحق وهو أن الناس ينتفعون به وهو الغاية المطلوبة لهم.
والمعنى: فأما الزبد الذي كان يطفو على السيل ويعلوه أو يخرج مما يوقدون عليه في النار فيذهب جفاء ويصير باطلا متلاشيا ، وأما الماء الخالص أو العين الأرضية المصوغة وفيهما انتفاع الناس وتمتعهم في معاشهم فيمكث في الأرض ينتفع به الناس.
ثم قال تعالى:"كذلك يضرب الله الأمثال"وختم به القول أي إن الأمثال المضروبة للناس في كلامه تعالى يشابه المثل المضروب في هذه الآية في أنها تميز الحق من الباطل وتبين للناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم.
ولا يبعد أن تكون الإشارة بقوله:"كذلك"إلى ما ذكره من أمر نزول المطر وجريان الأدوية بسيولها المزبدة وإيقاد المواد الأرضية وخروج زبدها ، أعني أن تكون الإشارة إلى نفس هذه الحوادث الخارجية والتكونات العينية لا القول فيدل على أن هذه الوقائع الكونية والحوادث الواقعة في عالم الشهادة أمثال مضروبة تهدي أولي النهي والبصيرة إلى ما في عالم الغيب من الحقائق كما أن ما في عالم الشهادة آيات دالة على ما في عالم الغيب على ما تكرر ذكره في القرآن الكريم ، ولا كثير فرق بين كون هذه المشهودات أمثالا مضروبة أو آيات دالة وهو ظاهر.
وقد تبين بهذا المثل المضروب في الآية أمور هي من كليات المعارف الإلهية: أحدها: أن الوجود النازل من عنده تعالى على الموجودات الذي هو بمنزلة الرحمة السماوية والمطر النازل من السحاب على ساحة الأرض خال في نفسه عن الصور والأقدار وإنما يتقدر من ناحية الأشياء أنفسها كماء المطر الذي يحتمل من القدر والصورة وما يطرأ عليه من ناحية قوالب الأودية المختلفة في الأقدار والصور فإنما تنال الأشياء من العطية الإلهية بقدر قابليتها واستعداداتها وتختلف باختلاف الاستعدادات والظروف والأوعية.
وهذا أصل عظيم يدل عليه أو يلوح إليه آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 وقوله:"و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6 ومن الدليل عليه جميع آيات القدر.