فهرس الكتاب

الصفحة 2379 من 4314

ثم إن هذه الأمور المسماة بالأقدار وإن كانت خارجة عن الإفاضة السماوية مقدرة لها لكنها غير خارجة عن ملك الله سبحانه وسلطانه ولا واقعة من غير إذنه وقد قال تعالى ،"إليه يرجع الأمر كله": هود: 123 ، وقال:"بل لله الأمر جميعا": الآية: 31 من السورة وبانضمام هذه الآيات إلى الآيات السابقة يظهر أصل آخر أدق معنى وأوسع مصداقا.

وثانيها: أن تفرق هذه الرحمة السماوية في أودية العالم وتقدرها بالأقدار المقارنة لها لا ينفك عن أخباث وفضولات تعلوها وتظهر منها غير أنها باطلة أي زائلة غير ثابتة بخلاف تلك الرحمة النازلة المتقدرة بالأقدار فإنها باقية ثابتة أي حقة وعند ذلك ينقسم ما في الوجود إلى حق وهو الثابت الباقي وباطل وهو الزائل غير الثابت.

والحق من الله سبحانه والباطل ليس إليه وإن كان بإذنه قال تعالى:"الحق من ربك": آل عمران: 60 وقال:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا": ص: 27 فهذه الموجودات يشتمل كل منها على جزء حق ثابت غير زائل سيعود إليه ببطلان ما هو الباطل منها كما قال:"ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3 وقال:"و يحق الله الحق بكلماته": يونس: 82 وقال:"إن الباطل كان زهوقا": أسرى: 81 وقال:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق": الأنبياء: 18.

وثالثها: أن من حكم الحق أنه لا يعارض حقا غيره ولا يزاحمه بل يمده وينفعه في طريقه إلى كماله ويسوقه إلى ما يسلك إليه من السعادة ، يدل على ذلك تعليقه البقاء والمكث في الآية على الحق الذي ينفع الناس.

وليس المراد بنفي التعارض ارتفاع التنازع والتزاحم من بين الأشياء في عالمنا المشهود فإنما هو دار التنازع والتزاحم لا يرى فيه إلا نار يخمدها ماء وماء تفنيها نار وأرض يأكلها نبات ونبات يأكله حيوان ثم الحيوان يأكل بعضه بعضا ثم الأرض يأكل الجميع بل المراد أن هذه الأشياء على ما بينها من الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهية ويتسبب بعضها ببعض للوصول إلى مقاصدها النوعية فمثلها مثل القدوم والخشب فإنهما مع تنازعهما يتعاونان في خدمة النجار في صنعة الباب مثلا ، ومثل كفتي الميزان فإنهما في تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده لسان الميزان لتقدير الوزن ، وهذا بخلاف الباطل كوجود كلال في القدوم أو بخس في المثقال فإنه يعارض الغرض الحق ويخيب السعي فيفسد من غير إصلاح ويضر من غير نفع.

ومن هذا الباب غالب آيات التسخير في القرآن كقوله:"و سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه": الجاثية: 13 فكل شيء منها يفعل ما يقتضيه طبعه غير أنه يسلك في ذلك إلى تحصيل ما أراده الله سبحانه من الأمر.

وهذه الأصول المستفادة من الآية الكريمة هي المنتجة لتفاصيل أحكام الصنع والإيجاد ، ولئن تدبرت في الآيات القرآنية التي تذكر الحق والباطل وأمعنت فيها رأيت عجبا.

واعلم أن هذه الأصول كما تجري في الأمور العينية والحقائق الخارجية كذلك تجري في العلوم والاعتقادات فمثل الاعتقادات الحق في نفس المؤمن مثل الماء النازل من السماء الجاري في الأودية على اختلاف سعتها وينتفع به الناس وتحيى قلوبهم ويمكث فيهم الخير والبركة ، ومثل الاعتقاد الباطل في نفس الكافر كمثل الزبد الذي يربو السيل لا يلبث دون أن يذهب جفاء ويصير سدى ، قال تعالى:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27.

قوله تعالى:"للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له"إلى آخر الآية المهاد الفراش الذي يوطأ لصاحبه والمكان الممهد الموطأ وسميت جهنم مهادا لأنها مهدت لاستقرارهم فيها لكفرهم وأعمالهم السيئة.

والآية وما بعدها من الآيات التسعة متفرعة على المثل المضروب في الآية السابقة - كما تقدمت الإشارة إليه يبين الله سبحانه فيها آثار الاعتقاد الحق والإيمان به والاستجابة لدعوته ، وآثار الاعتقاد الباطل والكفر به وعدم استجابة دعوته ويشهد بذلك سياق الآيات فإن الحديث فيها يدور حول عاقبة الإيمان والكفر وأن العاقبة المحمودة التي للإيمان لا يقوم مقامها شيء ولو كان ضعف ما في الدنيا من نعمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت