و على هذا فالأظهر أن يكون المراد بالحسنى العاقبة الحسنى وما ذكره بعضهم أن المراد بها المثوبة الحسنى أو الجنة وإن كان حقا بحسب المآل فإن عاقبة الإيمان والعمل الصالح المحمودة هي المثوبة الإلهية الحسنى وهي الجنة لكن المثوبة أو الجنة غير مقصودة في المقام بما أنها مثوبة أو جنة بل بما أنها عاقبة أمرهم وينتهي إليها سعيهم.
ويؤيده بل يدل عليه قوله تعالى فيهم في الآيات التالية بعد تعريفهم بصفاتهم المختصة بهم:"أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها"الآية.
وعلى هذا أيضا فقوله:"لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به"موضوع موضع الغاية المحذوفة للدلالة على فخامة أمرها وبلوغها الغاية من حمل الهول والدهشة والشر والشقوة بما لا يذكر.
والمعنى: والذين لم يستجيبوا لربهم يحل بهم أمر - أو يفوتهم أمر وهو نتيجة الاستجابة وعاقبتها الحسنى من صفته أنه لو أن لهم ما في الأرض من نعمة تلتذ بها النفس الإنسانية وهو غاية ما يمكن لإنسان أن يأمله ويتمناه ثم أضيف إليه مثله وهو فوق منية الإنسان وبعبارة ملخصة لو كانوا يملكون غاية مناهم في الحياة وما فوق هذه الغاية رضوا أن يفتدوا بهذا الذي يملكونه فرضا عما يفوتهم من الحسنى ، وفي بعض كلمات علي (عليه السلام) : في وصفه:"غير موصوف ما نزل بهم".
ثم أخبر تعالى عن هذا الذي لا يوصف من عاقبة أمرهم فقال:"أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم"وسوء الحساب الحساب الذي يسوؤهم ولا يسرهم فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ثم ذم تعالى ذلك مشيرا إلى سوء العاقبة بقوله:"و بئس المهاد"أي بئس المهاد مهادهم الذي مهد لهم ويستقرون فيه ، ومجموع قوله:"أولئك لهم سوء الحساب"إلخ في موضع التعليل لما ذكر من الافتداء والتعليل بالإشارة كثير في الكلام يقال: افعل بفلان كذا وكذا ذاك الذي من صفته كذا وكذا.
ومعنى الآية والله أعلم - للذين استجابوا لدعوة ربهم الحقة العاقبة الحسنى والذين لم يستجيبوا له لهم من عاقبة الأمر ما يرضون أن يفدوا للتخلص منه فوق ما يمكنهم أن يتمنوه لأن الذي يحل بهم من العاقبة السيئة يتضمن أو يقارن سوء الحساب والقرار في وبئس المهاد مهادهم.
وقد وضع في الآية الاستجابة وعدم الاستجابة مكان الإيمان والكفر لمناسبة المثل المضروب في الآية السابقة من نزول الماء من السماء وقبول الأودية منه كل بقدره ، والاستجابة قبول الدعوة.
قوله تعالى:"أ فمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب"استفهام إنكاري وهو في موضع التعليل لما تتضمنه الآية السابقة ، وبيان تفصيلي لعاقبة حال الفريقين من حيث استجابة دعوة الحق وعدمها.
وملخص البيان: أن الحق يستقر في قلوب هؤلاء الذين استجابوا لربهم فتصير قلوبهم ألبابا وقلوبا حقيقية لها آثارها وبركاتها وهو التذكر والتبصر ، ومن خواص هذه القلوب التي يعرف بها صاحبوها أن أولي الألباب يثبتون على الوفاء بعهد الله المأخوذ عنهم بفطرتهم فلا ينقضون ميثاق ربهم ، ويثبتون على احترام ما وصلهم الله به وهي الرحم التي أجرى الله الخلقة من طريقها فيصلونها وهم خاشعون خائفون ، ويثبتون بالصبر عند المصائب وعن المعصية وعلى الطاعة ، ويجرون بالتوجه إلى ربهم وهو الصلاة ، وإصلاح المجتمع وهو الإنفاق ، ودرء السيئات بالحسنات.
فهؤلاء لهم عاقبة الدار المحمودة وهي الجنة يدخلونها وتنعكس إليهم فيها مثوبات أعمالهم الحسنة المذكورة فيصاحبون فيها الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم كما وصلوا الرحم في الدنيا ، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب مسلمين عليهم بما صبروا كما فتحوا أبواب العبادات والطاعات المختلفة في الدنيا فهذا هو أثر الحق.
وقوله:"أ فمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى"الاستفهام فيه للإنكار - كما تقدم - وفيه نفي التساوي بين من استقر في قلبه العلم بالحق ومن جهل الحق وفي توصيف الجاهل بالحق بالأعمى إيماء إلى أن العالم به يصير وقد سماه بالأعمى والبصير في قوله آنفا:"قل هل يستوي الأعمى والبصير"الآية ، فالعلم بالحق بصيرة والجهل به عمى والتبصر يفيد التذكر ولذا عده من خواص أولي العلم بقوله:"إنما يتذكر".