و قوله:"إنما يتذكر أولوا الألباب"في مقام التعليل لما سبقه أعني قوله:"أ فمن يعلم"إلخ ، أي أنهما لا يستويان لأن لأولي العلم تذكر ليس لأولي العمى والجهل ، وقد وضع في موضع أولي العلم أولوا الألباب فدل على دعوى أخرى تفيد فائدة التعليل كأنه قيل: لا يستويان لأن لأحد الفريقين تذكرا ليس للآخر ، وإنما اختص التذكر بهم لأن لهم ألبابا وقلوبا وليس ذلك لغيرهم.
قوله تعالى:"الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق"ظاهر السياق أن الجملة الثانية عطف تفسيري على الجملة الأولى فالمراد بالميثاق الذي لا ينقضونه هو عهد الله الذي يوفون به ، والمراد بهذا العهد والميثاق بقرينة ما ذكر في الآية السابقة من تذكرهم هو ما عاهدوا به ربهم وواثقوه بلسان فطرتهم أن يوحدوه ويجروا على ما يقتضيه توحيده من الآثار فإن الإنسان مفطور على توحيده تعالى وما يهتف به توحيده ، وهذا عهد عاهدته الفطرة وعقد عقدته.
وأما العهود والمواثيق المأخوذة بوسيلة الأنبياء والرسل عن أمر من الله والأحكام والشرائع فكل ذلك من فروع الميثاق الفطري فإن الدين فطري.
قوله تعالى:"و الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل"إلخ ، الظاهر أن المراد بالأمر هو الأمر التشريعي النازل بشهادة ذيل الآية"و يخافون سوء الحساب"فإن الحساب على الأحكام النازلة في الشريعة ظاهرا وإن كانت مدركة بالفطرة كقبح الظلم وحسن العدل فإن المستضعف الذي لم يبلغه الحكم الإلهي ولم يقصر لا يحاسب عليه كما يحاسب غيره ، وقد تقدم في أبحاثنا السابقة أن الحجة لا تتم على الإنسان بمجرد الإدراك الفطري لو لا انضمام طريق الوحي إليه قال تعالى:"لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165.
والآية مطلقة فالمراد به كل صلة أمر الله سبحانه بها ومن أشهر مصاديقه صلة الرحم التي أمر الله بها وأكد القول في وجوبها ، قال تعالى:"و اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام": النساء: 1.
وقد أكد القول فيه بما في ذيل الآية من قوله:"و يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب"فأشار إلى أن في ترك الصلة مخالفة لأمر الله فليخش الله في ذلك وعملا سيئا مكتوبا في صحيفة العمل محفوظا على الإنسان يجب أن يخاف من حسابه السيىء.
والظاهر أن الفرق بين الخشية والخوف أن الخشية تأثر القلب من إقبال الشر أو ما في حكمه ، والخوف هو التأثر عملا بمعنى الإقدام على تهيئة ما يتقى به المحذور وإن لم يتأثر القلب ولذا قال سبحانه في صفة أنبيائه:"و لا يخشون أحدا إلا الله": الأحزاب: 39.
فنفى عنهم الخشية عن غيره وقد أثبت الخوف لهم عن غيره في مواضع من كلامه كقوله:"فأوجس في نفسه خيفة موسى": طه: 67 وقوله:"و إما تخافن من قوم خيانة": الأنفال: 58.
ولعله إليه يرجع ما ذكره الراغب في الفرق بينهما أن الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم.
ولذا خص العلماء بها في قوله.
"إنما يخشى الله من عباده العلماء"وكذا قول بعضهم: إن الخشية أشد الخوف لأنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية أي يابسة.
وكذا قول بعضهم: إن الخوف يتعلق بالمكروه وبمنزله يقال: خفت المرض وخفت زيدا بخلاف الخشية فإنها تتعلق بالمنزل دون المكروه نفسه يقال: خشيت الله.
ولو لا رجوعها إلى ما قدمناه لكانت ظاهرة النقض وذكر بعضهم أن الفرق أغلبي لا كلي ، والآخرون أن لا فرق بينهما أصلا وهو مردود بما قدمناه من الآيات.
قوله تعالى:"و الذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا"إلى آخر الآية ، إطلاق الصبر يدل على اتصافهم بجميع شعبه وأقسامه وهي الصبر عند المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية لكنه مع ذلك مقيد بقوله:"ابتغاء وجه ربهم"أي طلبا لوجه ربهم فصفتهم التي يمدحون بها أن يكون صبرهم لوجه الله لأن الكلام في صفاتهم التي تنشأ وتنمو فيهم من استجابتهم لربهم وعلمهم بحقية ما أنزل إليهم من ربهم لا كل صفة يمدحها الناس فيما بينهم وإن لم ترتبط بعبوديتهم وإيمانهم بربهم كالصبر عند الكريهة تمنعا وعجبا بالنفس أو طلبا لجميل الثناء ونحوه كما قيل: وقولي كلما جشأت وجاشت.
مكانك تحمدي أو تستريحي.