و من هنا يظهر أن قوله:"إن الله يضل"إلخ ، على تقدير: أن الله يضل بمشيته من لم ينب إليه ويهدي إليه بمشيته من أناب إليه.
ويظهر أيضا أن الضمير"إليه"في"يهدي إليه"راجع إليه تعالى وأن ما ذكره بعضهم أنه راجع إلى القرآن.
وآخرون أنه راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير وجيه.
قوله تعالى:"الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب"الاطمئنان السكون والاستقرار والاطمئنان إلى الشيء السكون إليه.
وظاهر السياق أن صدر الآية بيان لقوله في ذيل الآية السابقة:"من أناب"فالإيمان واطمئنان القلب بذكر الله هو الإنابة ، وذلك من العبد تهيؤ واستعداد يستعقب عطية الهداية الإلهية كما أن الفسق والزيغ في باب الضلال تهيؤ واستعداد يستعقب الإضلال من الله كما قال:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 وقال:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين": الصف: 5.
وليس الإيمان بالله تعالى مثلا مجرد إدراك أنه حق فإن مجرد الإدراك ربما يجامع الاستكبار والجحود كما قال تعالى:"و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14 مع أن الإيمان لا يجامع الجحود فليس الإيمان بشيء مجرد إدراك أنه حق مثلا بل مطاوعة وقبول خاص من النفس بالنسبة إلى ما أدركته يوجب تسليمها له ولما يقتضيه من الآثار وآيته مطاوعة سائر القوى والجوارح وقبولها له كما طاوعته النفس وقبلته فترى المعتاد ببعض الأعمال المذمومة ربما يدرك وجه القبح أو المساءة فيه غير أنه لا يكف عنه لأن نفسه لا تؤمن به ولا تستسلم له وربما طاوعته وسلمت له بعد ما أدركته وكفت عنه عند ذلك بلا مهل وهو الإيمان.
وهذا هو الذي يظهر من قوله تعالى:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء: الأنعام: 125 فالهداية من الله سبحانه تستدعي من قلب العبد أو صدره وبالأخرة من نفسه أمرا نسبته إليها نسبة القبول والمطاوعة إلى الأمر المقبول المطاوع ، وقد عبر عنه في آية الأنعام بشرح الصدر وتوسعته ، وفي الآية المبحوث عنها بالإيمان واطمئنان القلب وهو أن يرى الإنسان نفسه في أمن من قبوله ومطاوعته ويسكن قلبه إليه ويستقر هو في قلبه من غير أن يضطرب منه أو ينقلع عنه."
ومن ذلك يظهر أن قوله:"و تطمئن قلوبهم بذكر الله"عطف تفسيري على قوله:"آمنوا"فالإيمان بالله يلازم اطمئنان القلب بذكر الله تعالى.
ولا ينافي ذلك ما في قوله تعالى:"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم": الأنفال: 2 فإن الوجل المذكور فيه حالة قلبية متقدمة على الاطمئنان المذكور في الآية المبحوث عنها كما يرشد إليه قوله تعالى:"الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء": الزمر: 23 وذلك أن النعمة هي النازلة من عنده سبحانه وأما النقمة أيا ما كانت فهي بالحقيقة إمساك منه عن إفاضة النعمة وإنزال الرحمة وليست فعلا ثبوتيا صادرا منه تعالى على ما يفيده قوله: ، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده": فاطر: 2."
وإذا كان الخوف والخشية إنما هو من شر متوقع ولا شر عنده سبحانه فحقيقة الخوف من الله هي خوف الإنسان من أعماله السيئة التي توجب إمساك الرحمة وانقطاع الخير المفاض من عنده ، والنفس الإنسانية إذا قرعت بذكر الله سبحانه التفتت أولا إلى ما أحاطت به من سمات القصور والتقصير فأخذتها القشعريرة في الجلد والوجل في القلب ثم التفتت ثانيا إلى ربه الذي هو غاية طلبة فطرته فسكنت إليه واطمأنت بذكره.
وقال في مجمع البيان ،: وقد وصف الله المؤمن هاهنا بأنه يطمئن قلبه إلى ذكر الله ، ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه لأن المراد بالأول أنه يذكر ثوابه وإنعامه وآلاءه التي لا تحصى وأياديه التي لا تجازى فيسكن إليه ، وبالثاني أنه يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويوجل قلبه.