انتهى ، وهذا الوجه أوفق بتفسير من فسر الذكر في الآية بالقرآن الكريم وقد سماه الله تعالى ذكرا في مواضع كثيرة من كلامه كقوله:"و هذا ذكر مبارك": الأنبياء: 50 وقوله:"إنا نحن نزلنا الذكر": الحجر: 9 وغير ذلك.
لكن الظاهر أن يكون المراد بالذكر أعم من الذكر اللفظي وأعني به مطلق انتقال الذهن والخطور بالبال سواء كان بمشاهدة آية أو العثور على حجة أو استماع كلمة ، ومن الشاهد عليه قوله بعده:"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"فإنه كضرب القاعدة يشمل كل ذكر سواء كان لفظيا أو غيره ، وسواء كان قرآنا أو غيره.
وقوله:"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"فيه تنبيه للناس أن يتوجهوا إليه ويريحوا قلوبهم بذكره فإنه لا هم للإنسان في حياته إلا الفوز بالسعادة والنعمة ولا خوف له إلا من أن تغتاله الشقوة والنقمة والله سبحانه هو السبب الوحيد الذي بيده زمام الخير وإليه يرجع الأمر كله ، وهو القاهر فوق عباده والفعال لما يريد وهو ولي عباده المؤمنين به اللاجئين إليه فذكره للنفس الأسيرة بيد الحوادث الطالبة لركن شديد يضمن له السعادة ، المتحيرة في أمرها وهي لا تعلم أين تريد ولا أنى يراد بها؟ كوصف الترياق للسليم تنبسط به روحه وتستريح معه نفسه ، والركون إليه والاعتماد عليه والاتصال به كتناول ذاك السليم لذلك الترياق وهو يجد من نفسه نشاط الصحة والعافية آنا بعد آن.
فكل قلب - على ما يفيده الجمع المحلى باللام من العموم - يطمئن بذكر الله ويسكن به ما فيه من القلق والاضطراب نعم إنما ذلك في القلب الذي يستحق أن يسمى قلبا وهو القلب الباقي على بصيرته ورشده ، وأما المنحرف عن أصله الذي لا يبصر ولا يفقه فهو مصروف عن الذكر محروم عن الطمأنينة والسكون قال تعالى:"فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور": الحج: 46 ، وقال:"لهم قلوب لا يفقهون بها": الأعراف: 179 وقال:"نسوا الله فنسيهم": التوبة: 67.
وفي لفظ الآية ما يدل على الحصر حيث قدم متعلق الفعل أعني قوله:"بذكر الله"عليه فيفيد أن القلوب لا تطمئن بشيء غير ذكر الله سبحانه ، وما قدمناه من الإيضاح ينور هذا الحصر إذ لا هم لقلب الإنسان وهو نفسه المدركة إلا نيل سعادته والأمن من شقائه وهو في ذلك متعلق بذيل الأسباب ، وما من سبب إلا وهو غالب في جهة ومغلوب من أخرى إلا الله سبحانه فهو الغالب غير المغلوب الغني ذو الرحمة فبذكره أي به سبحانه وحده تطمئن القلوب ولا يطمئن القلب إلى شيء غيره إلا غفلة عن حقيقة حاله ولو ذكر بها أخذته الرعدة والقلق.
ومما قيل في الآية الكريمة أعني قوله:"الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله"إلخ إنها استئناف ، وقوله:"الذين آمنوا"مبتدأ خبره قوله في الآية التالية:"طوبى لهم وحسن مآب"وقوله:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات"بدل من المبتدإ وقوله:"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"اعتراض بين المبتدإ وخبره ، وهو تكلف بعيد من السياق.
قوله تعالى:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب"طوبى على وزن فعلى بضم الفاء مؤنث أطيب فهي صفة لمحذوف وهو على ما يستفاد من السياق - الحياة أو المعيشة وذلك أن النعمة كائنة ما كانت إنما تغتبط وتهنأ إذا طابت للإنسان ولا تطيب إلا إذا اطمأن القلب إليه وسكن ولم يضطرب ولا يوجد ذلك إلا لمن آمن بالله وعمل عملا صالحا فهو الذي يطمئن منه القلب ويطيب له العيش فإنه في أمن من الشر والخسران وسلام مما يستقبله ويدركه وقد أوى إلى ركن لا ينهدم واستقر في ولاية الله لا يوجه إليه ربه إلا ما فيه سعادته إن أعطى شيئا فهو خير له وإن منع فهو خير له.
وقد قال في وصف طيب هذه الحياة:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون": النحل: 97 وقال في صفة من لم يرزق اطمئنان القلب بذكر الله:"و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى": طه: 124 ، ولعل وصف الحياة أو المعيشة في الآية التي نحن فيها بزيادة الطيب تلميحا إلى أنها نعمة لا تخلو من طيب على أي حال إلا أنها فيمن اطمأن قلبه بذكر الله أكثر طيبا لخلوصها من شوائب المنغصات.