فقوله:"طوبى لهم"في تقدير لهم حياة أو معيشة طوبى ، فطوبى مبتدأ و"لهم"خبره وإنما قدم المبتدأ المنكر على الظرف لأن الكلام واقع موقع التهنئة وفي مثله يقدم ما به التهنئة استعجالا بذكر ما يسر السامع ذكره نظير قولهم في البشارة: بشرى لك.
وبالجملة في الآية تهنئة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله اطمئنانا مستمرا - بأطيب الحياة أو العيش وحسن المرجع ، وبذلك يظهر اتصالها بما قبلها فإن طيب العيش من آثار اطمئنان القلب كما تقدم.
وقال في مجمع البيان ،:"طوبى لهم"وفيه أقوال: أحدها: أن معناه فرح لهم وقرة عين.
عن ابن عباس.
والثاني: غبطة لهم.
عن الضحاك.
والثالث: خير لهم وكرامة.
عن إبراهيم النخعي.
والرابع: الجنة لهم.
عن مجاهد.
والخامس: معناه العيش المطيب لهم.
عن الزجاج ، والحال المستطابة لهم ، عن ابن الأنباري لأنه فعلى من الطيب ، وقيل: أطيب الأشياء لهم وهو الجنة.
عن الجبائي.
والسادس: هنيئا يطيب العيش لهم.
والسابع: حسنى لهم.
عن قتادة.
والثامن: نعم ما لهم.
عن عكرمة.
التاسع: طوبى لهم دوام الخير لهم.
العاشر: أن طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي دار كل مؤمن منها غصن عن عبيد بن عمير ووهب وأبي هريرة وشهر بن حوشب وروي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا.
انتهى موضع الحاجة.
وأكثر هذه المعاني من باب الانطباق وهي خارجة عن دلالة اللفظ.
قوله تعالى:"كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم"إلى آخر الآية متاب مصدر ميمي للتوبة وهي الرجوع ، والإشارة بقوله:"كذلك"إلى ما ذكره تعالى من سنته الجارية من دعوة الأمم إلى دين التوحيد ثم إضلال من يشاء وهداية من يشاء على وفق نظام الرجوع إلى الله والإيمان به وسكون القلب بذكره وعدم الرجوع إليه.
والمعنى: وأرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم إرسالا يماثل هذه السنة الجارية ويجري في أمره على وفق هذا النظام لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وتبلغهم ما يتضمنه هذا الكتاب وهم يكفرون ، بالرحمن وإنما قيل بالرحمن ، دون أن يقال:"بنا"على ما يقتضيه ظاهر السياق إيماء إلى أنهم في ردهم هذا الوحي الذي يتلوه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم وهو القرآن وعدم اعتنائهم بأمره حيث يقولون مع نزوله:"لو لا أنزل عليه آية من ربه"يكفرون برحمة إلهية عامة تضمن لهم سعادة دنياهم وأخراهم لو أخذوه وعملوا به.
ثم أمر تعالى: أن يصرح لهم القول في التوحيد فقال:"قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب"أي هو وحده ربي من غير شريك كما تقولون ولربوبية لي وحده أتخذه القائم على جميع أموري وبها ، وأرجع إليه في حوائجي وبذلك يظهر أن قوله:"عليه توكلت وإليه متاب"من آثار الربوبية المتفرعة عليها فإن الرب هو المالك المدبر فمحصل المعنى هو وكيلي وإليه أرجع.
وقيل: إن المراد بالمتاب هو التوبة من الذنوب لما في المعنى الأول من لزوم كون"إليه متاب"تأكيدا لقوله:"عليه توكلت"وهو خلاف ظاهر.
وفيه منع رجوعه إلى التأكيد ثم منع كونه خلاف الظاهر وهو ظاهر.
وذكر بعضهم: أن المعنى إليه متابي ومتابكم.
وفيه أنه مستلزم لحذف وتقدير لا دليل عليه ومجرد كون مرجعهم إليه في الواقع لا يوجب التقدير من غير أن يكون في الكلام ما يوجب ذلك.
قوله تعالى:"و لو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا"المراد بتسيير الجبال قلعها من أصولها وإذهابها من مكان إلى مكان وبتقطيع الأرض شقها وجعلها قطعة قطعة ، وبتكليم الموتى إحياؤهم لاستخبارهم عما جرى عليهم بعد الموت ليستدل على حقية الدار الآخرة فإن هذا هو الذي كانوا يقترحونه.
فهذه أمور عظيمة خارقة للعادة فرضت آثارا لقرآن فرضه الله سبحانه بقوله:"و لو أن قرآنا"إلخ ، وجزاء لو محذوف لدلالة الكلام عليه فإن الكلام معقب بقوله:"بل لله الأمر جميعا"والآيات - كما عرفت - مسوقة لبيان أن أمر الهداية ليس براجع إلى الآية التي يقترحونها بقولهم:"لو لا أنزل عليه آية"بل الأمر إلى الله يضل من يشاء كما أضلهم ويهدي إليه من أناب.