فهرس الكتاب

الصفحة 2390 من 4314

و على هذا يجري سياق الآيات كقوله تعالى بعد:"بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد"، وقوله:"و كذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم"الآية ، وقوله:"و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله"الآية إلى غير ذلك ، وعلى مثله جرى سياق الآيات السابقة.

فجزاء لو المحذوف هو نحو من قولنا: ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله والمعنى ولو فرض أن قرآنا من شأنه أنه تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يحيا به الموتى فتكلم ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله بل الأمر كله لله ليس شيء منه لغيره حتى يتوهم متوهم أنه لو أنزلت آية عظيمة هائلة مدهشة أمكنها أن تهديهم لا بل الأمر لله جميعا والهداية راجعة إلى مشيته.

وعلى هذا فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى:"و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله": الأنعام: 111.

وما قيل: إن جزاء لو المحذوف نحو من قولنا: لكان ذلك هذا القرآن ، والمراد بيان عظم شأن القرآن وبلوغه الغاية القصوى في قوة البيان ونفوذ الأمر وجهالة الكفار حيث أعرضوا عنه واقترحوا آية غيره.

والمعنى: أن القرآن في رفعة القدر وعظمة الشأن بحيث لو فرض أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى - أو في الموضعين لمنع الخلو لا لمنع الجمع - لكان ذلك هذا القرآن لكن الله لم ينزل قرآنا كذلك فالآية بوجه نظيرة قوله:"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله": الحشر: 21.

وفيه أن سياق الآيات كما عرفت لا يساعد على هذا التقدير ولا يلائمه قوله بعده:"بل لله الأمر جميعا"وكذا قوله بعده:"أ فلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا"كما سنشير إليه إن شاء الله ولذلك تكلفوا في قوله:"بل لله الأمر جميعا"بما لا يخلو عن تكلف.

فقيل: إن المعنى لو أن قرآنا فعل به ذلك لكان هو هذا القرآن ولكن لم يفعل الله سبحانه بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده.

وقيل: إن حاصل الإضراب أنه لا تكون هذه الأمور العظيمة الخارقة بقرآن بل تكون بغيره مما أراده الله فإن جميع الأمر له تعالى وحده.

وقيل: إن الأحسن أن يكون قوله:"بل لله الأمر جميعا."

معطوفا على محذوف والتقدير: ليس لك من الأمر شيء بل الأمر لله جميعا.

وأنت ترى أن السياق لا يساعد على شيء من هذه المعاني ، وأن حق المعنى الذي يساعد عليه السياق أن يكون إضرابا عن نفس الشرطية السابقة على تقدير الجزاء نحوا من قولنا: لم يكن لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله.

قوله تعالى:"أ فلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا"تفريع على سابقه.

ذكر بعضهم أن اليأس بمعنى العلم وهي لغة هوازن وقيل لغة حي من النخع وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرباحي: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني.

أ لم تيأسوا أني ابن فارس زهدم.

وقول رباح بن عدي: أ لم ييأس الأقوام أني أنا ابنه.

وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا.

ومحصل التفريع على هذا أنه إذا كانت الأسباب لا تملك من هدايتهم شيئا حتى قرآن سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى وأن الأمر لله جميعا فمن الواجب أن يعلم الذين آمنوا أن الله لم يشأ هداية الذين كفروا لو يشاء الله لهدى الناس جميعا الذين آمنوا والذين كفروا لكنه لم يهد الذين كفروا فلم يهتدوا ولن يهتدوا.

وذكر بعضهم أن اليأس بمعناه المعروف وهو القنوط غير أن قوله:"أ فلم ييأس"مضمن معنى العلم والمراد بيان لزوم علمهم بأن الله لم يشأ هدايتهم ولو شاء ذلك لهدى الناس جميعا ولزوم قنوطهم عن اهتدائهم وإيمانهم.

فتقدير الكلام بحسب الحقيقة: أ فلم يعلم الذين آمنوا أن الله لم يشأ هدايتهم ولو يشاء لهدى الناس جميعا أ ولم ييأسوا من اهتدائهم وإيمانهم؟ ثم ضمن اليأس معنى العلم ونسب إليه من متعلق العلم الجملة الشرطية فقط أعني قوله:"لو يشاء الله لهدى الناس جميعا"إيجازا وإيثارا للاختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت