فهرس الكتاب

الصفحة 2391 من 4314

و ذكر بعضهم: أن قوله"أ فلم ييأس"على ظاهر معناه من غير تضمين وقوله:"أن لو يشاء الله"إلخ ، متعلق بقوله:"آمنوا"بتقدير الباء ومتعلق"ييأس"محذوف وتقدير الكلام أ فلم ييأس الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من إيمانهم وذلك أن الذين آمنوا يرون أن الأمر لله جميعا ويؤمنون بأنه تعالى لو يشاء لهدى الناس جميعا ولو لم يشأ لم يهد فإذ لم يهد ولم يؤمنوا فليعلموا أنه لم يشأ وليس في مقدره سبب من الأسباب أن يهديهم ويوفقهم للإيمان فلييأسوا من إيمانهم.

وهذه وجوه ثلاثة لعل أعدلها أوسطها والآية على أي حال لا تخلو من إشارة إلى أن المؤمنين كانوا يودون أن يؤمن الكفار ولعلهم لمودتهم ذلك لما سمعوا قول الكفار:"لو لا أنزل عليه آية من ربه"طمعوا في إيمانهم ورجوا منهم الاهتداء إن أنزل الله عليهم آية أخرى غير القرآن فسألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم على ذلك فأيأسهم الله من إيمانهم في هذه الآيات ، وفي آيات أخرى من كلامه مكية ومدنية كقوله في سورة يس وهي مكية:"و سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": آية 10 ، وقوله في سورة البقرة وهي مدنية:"إن الذين كفروا سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": آية 6.

قوله تعالى:"و لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد"سياق الآيات يشهد أن المراد بقوله:"بما صنعوا"كفرهم بالرحمن قبال الدعوة الحقة ، والقارعة هي المصيبة تقرع الإنسان قرعا كأنها تؤذنه بأشد من نفسها وفي الآية تهديد ووعيد قطعي للذين كفروا بعذاب غير مردود وذكر علائم وأشراط له تقرعهم مرة بعد مرة حتى يأتيهم العذاب الموعود.

والمعنى: ولا يزال هؤلاء الذين كفروا بدعوتك الحقة تصيبهم بما صنعوا من الكفر بالرحمن مصيبة قارعة أو تحل تلك المصيبة القارعة قريبا من دارهم فلا يزالون كذلك حتى يأتي ما وعدهم الله من العذاب لأن الله لا يخلف ميعاده ولا يبدل قوله.

والتأمل في كون السورة مكية على ما يشهد به مضامين آياتها ثم في الحوادث الواقعة بعد البعثة وقبل الهجرة وبعدها إلى فتح مكة يعطي أن المراد بالذين كفروا هم كفار العرب من أهل مكة وغيرهم الذين ردوا أول الدعوة وبالغوا في الجحود والعناد وألحوا على الفتنة والفساد.

والمراد بالذين تصيبهم القارعة من كان في خارج الحرم منهم تصيبهم قوارع الحروب وشن الغارات ، وبالذين تحل القارعة قريبا من دارهم أهل الحرم من قريش تقع حوادث السوء قريبا من دارهم فتصيبهم معرتها وتنالهم وحشتها وهمها وسائر آثارها السيئة ، والمراد بما وعدهم عذاب السيف الذي أخذهم في غزوة بدر وغيرها.

واعلم أن هذا العذاب الموعود للذين كفروا في هذه الآيات غير العذاب الموعود المتقدم في سورة يونس في قوله تعالى:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون - إلى قوله ثانيا - وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: 47 - 54 فإن الذي في سورة يونس وعيد عام للأمة ، والذي في هذه الآيات وعيد خاص بالذين كفروا في أول الدعوة النبوية من قريش وغيرهم ، وقد تقدم في قوله:"إن الذين كفروا سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6 في الجزء الأول من الكتاب أن المراد بقوله:"الذين كفروا"في القرآن إذا أطلق إطلاقا المعاندون من مشركي العرب في أول الدعوة كما أن المراد بالذين آمنوا إذا أطلق كذلك السابقون إلى الإيمان في أول الدعوة.

واعلم أيضا أن للمفسرين في الآية أقوالا شتى تركنا إيرادها إذ لا طائل تحت أكثرها وفيما ذكرناه من الوجه كفاية للباحث المتدبر ، وسيوافيك بعضها في البحث الروائي التالي إن شاء الله.

قوله تعالى:"و لقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب"تأكيد لما في الآية السابقة من الوعيد القطعي ببيان نظائر له تدل على إمكان وقوعه أي لا يتوهمن متوهم أن هذا الذي نهددهم به وعيد خال لا دليل على وقوعه كما قالوا:"لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين": النمل: 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت