فهرس الكتاب

الصفحة 2392 من 4314

و ذلك أنه قد استهزىء برسل من قبلك بالكفر وطلب الآيات كما كفر هؤلاء بدعوتك ثم اقترحوا عليك آية مع وجود آية القرآن فأمليت وأمهلت للذين كفروا ثم أخذتهم بالعذاب فكيف كان عقابي؟ أ كان وعيدا خاليا لا شيء وراءه؟ أم كان أمرا يمكنهم أن يتقوه أو يدفعوه أو يتحملوه؟ فإذا كان ذلك قد وقع بهم فليحذر هؤلاء وفعالهم كفعالهم أن يقع مثله بهم.

ومن ذلك يظهر أن قولهم: إن الآية تسلية وتعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير محله.

وقد بدل الاستهزاء في الآية ثانيا من الكفر إذ قيل:"للذين كفروا"ولم يقل بالذين استهزءوا للدلالة على أن استهزاءهم كان استهزاء كفر كما أن كفرهم كان كفر استهزاء فهم الكافرون المستهزءون بآيات الله كالذين كفروا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا مستهزئين بالقرآن وهو آية: لو لا أنزل عليه آية من ربه.

قوله تعالى:"أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء"القائم على شيء هو المهيمن المتسلط عليه والقائم بشيء من الأمر هو الذي يدبره نوعا من التدبير والله سبحانه هو القائم على كل نفس بما كسبت أما قيامه عليها فلأنه محيط بذاتها قاهر عليها شاهد لها ، وأما قيامه بما كسبت فلأنه يدبر أمر أعمالها فيحولها من مرتبة الحركة والسكون إلى أعمال محفوظة عليها في صحائف الأعمال ثم يحولها إلى المثوبات والعقوبات في الدنيا والآخرة من قرب وبعد وهدى وضلال ونعمة ونقمة وجنة ونار.

والآية متفرعة على ما تقدمها أي إذا كان الله سبحانه يهدي من يشاء فيجازيه بأحسن الثواب ويضل من يشاء فيجازيه بأشد العقاب وله الأمر جميعا فهو قائم على كل نفس بما كسبت ومهيمن مدبر لنظام الأعمال فهل يعدله غيره حتى يشاركه في ألوهيته؟.

ومن ذلك يظهر أن الخبر في قوله:"أ فمن هو قائم"إلخ ، محذوف يدل عليه قوله:"و جعلوا لله شركاء"ومن سخيف القول ما نسب إلى الضحاك أن المراد بقوله:"أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت"الملائكة لكونهم موكلين على الأعمال والمعنى أ فيكون الملائكة الموكلون على الأعمال بأمره شركاء له سبحانه؟ وهو معنى بعيد من السياق غايته.

قوله تعالى:"قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول"لما ذكر سبحانه قوله:"و جعلوا لله شركاء"عاد إليهم ببيان يبطل به قولهم ذلك مأخوذ من البيان السابق بوجه.

فأمر نبيه بأن يحاجهم بنوع من الحجاج عجيب في بابه فقال:"قل سموهم"أي صفوهم فإن صفات الأشياء هي التي تتعين بها شئونها وآثارها فلو كانت هذه الأصنام شركاء لله شفعاء عنده وجب أن يكون لها من الصفات ما يسوي لها الطريق لهذا الشأن كما يقال فيه تعالى إنه حي عليم قدير خالق مالك مدبر فهو رب كل شيء لكن الأصنام إذا ذكرت فقيل: هبل أو اللات أو العزى لم يوجد لها من الصفات ما يظهر به أنها شريكة لله شفيعة عنده.

ثم قال:"أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض"وأم منقطعة أي بل أ تنبئونه بكذا والمعنى أن اتخاذكم الأصنام شركاء له إنباء له في الحقيقة بما لا يعلم فلو كان له شريك في الأرض لعلم به لأن الشريك في التدبير يمتنع أن يخفى تأثيره في التدبير على شريكه والله سبحانه يدبر الأمر كله ولا يرى لغيره أثرا في ذلك لا موافقا ولا مخالفا ، والدليل على أنه لا يرى لنفسه شريكا في الأمر أنه تعالى هو القائم على كل نفس بما كسبت ، وبعبارة أخرى أن له الخلق والأمر وهو على كل شيء شهيد بالبرهان الذي لا سبيل للشك إليه ، والآية بالجملة كقوله في موضع آخر:"قل أ تنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض": يونس: 18.

ثم قال:"أم بظاهر من القول"أي بل أ تنبئونه بأن له شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة وهذا كقوله:"إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": النجم: 23.

وعن بعضهم أن المراد بظاهر من القول ظاهر كتاب نازل من الله تسمى فيه الأصنام آلهة حقة وحاصل الآية نفي الدليل العقلي والسمعي معا على ألوهيتها وكونها شركاء لله سبحانه وهو بعيد من اللفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت