فهرس الكتاب

الصفحة 2393 من 4314

و وجه الارتباط بين هذه الحجج الثلاث أنهم في عبادتهم الأصنام وجعلهم لله شركاء مترددون بين محاذير ثلاثة إما أن يقولوا بشركتها من غير حجة إذ ليس لها من الأوصاف ما يعلم به أنها شركاء لله ، وإما أن يدعوا أن لها أوصافا كذلك هم يعلمونها ولا يعلم بها الله سبحانه ، وإما أن يكونوا متظاهرين بالقول بشركتها من غير حقيقة وهم يغرون الله بذلك تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

قال الزمخشري في الكشاف ،: وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف على نفسه انتهى كلامه.

قوله تعالى:"بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد"إضراب عن الحجج المذكورة ولوازمها والمعنى دع هذه الحجج فإنهم لا يجعلون له شركاء لشيء من هذه الوجوه بل مكر زينه لهم الشيطان وصدهم بذلك عن سبيل الله تعالى وذلك أنهم على علم بأنه لا حجة على شركتها وأن مجرد الدعوى لا ينفعهم لكنهم يريدون بترويج القول بألوهيتها وتوجيه قلوب العامة إليها عرض الدنيا وزينتها ، ودعوتك إلى سبيل الله مانعة دون ذلك فهم في تصلبهم في عبادتها ودعوة الناس إليها والحث على الأخذ بها يمكرون بك من وجه وبالناس من وجه آخر وقد زين لهم هذا المكر وهو السبب في جعلهم إياها شركاء لا غير ذلك من حجة أو غيرها وصدوا بذلك عن السبيل.

فهم زين لهم المكر وصدوا به عن السبيل والذي زين لهم وصدهم هو الشيطان بإغوائهم ، وأضلوا والذي أضلهم هو الله سبحانه بإمساك نعمة الهدى منهم ومن يضلل الله فما له من هاد.

قوله تعالى:"لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق"أشق أفعل من المشقة وواق اسم فاعل من الوقاية بمعنى الحفظ.

وفي الآية إيجاز القول فيما وعد الله الذين كفروا من العذاب في الآيات السابقة ، وفي قوله:"و ما لهم من الله من واق"نفي الشفاعة وتأثيرها في حقهم أصلا ، ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"مثل الجنة التي وعد المتقون أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار"المثل هو الوصف يمثل الشيء.

وفي قوله:"مثل الجنة"إلخ بيان ما خص الله به المتقين من الوعد الجميل مقابلة لما أوعد به الذين كفروا وليكون تمهيدا لما يختم به القول من الإشارة إلى محصل سعي الفريقين في مسيرهم إلى ربهم ورجوعهم إليه وقد قابل الذين كفروا بالمتقين إشارة إلى أن الذين ينالون هذه العاقبة الحسنى هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون المؤمنين من غير عمل صالح فإنهم مؤمنون بالله كافرون بآياته.

ومن لطيف الإشارة في الكلام المقابلة بين المؤمنين والمشركين أولا بتعبير"المتقون والذين كفروا"وأخيرا بقوله"الذين اتقوا والكافرون"ولعل فيه تلويحا إلى أن الفعل الماضي والصفة هاهنا واحد مدلولا ومجموع أعمالهم في الدنيا مأخوذ عملا واحدا ، ولازم ذلك أن يكون تحقق العمل وصدور الفعل مرة واحدة عين اتصافهم به مستمرا ، ويفيد حينئذ قولنا:"الكافرون والمتقون"الدالان على ثبوت الاتصاف وقولنا:"الذين كفروا والذين اتقوا"الدالان على تحقق ما للفعل مفادا واحدا ، وهو قصر الموصوف على صفته ، وأما من تبدل عليه العمل كأن تحقق منه كفر أو تقوى ثم تبدل بغيره ولم يختتم له العمل بعد فهو خارج عن مساق الكلام فافهم ذلك.

واعلم أن في الآيات السابقة وجوها مختلفة من الالتفات كقوله:"كذلك أرسلناك"ثم قوله:"بل لله الأمر"ثم قوله:"فأمليت للذين كفروا"ثم قوله"و جعلوا لله شركاء"والوجه فيه غير خفي فالتعبير بمثل"أرسلناك"للدلالة على أن هناك وسائط كملائكة الوحي مثلا.

والتعبير بمثل"بل لله الأمر جميعا"للدلالة على رجوع كل أمر ذي وسط أو غير ذي وسط إلى مقام الألوهية القيوم على كل شيء ، والتعبير بمثل"فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم"للدلالة على أنه لا واسطة في الحقيقة يكون شريكا أو شفيعا كما يدعيه المشركون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت