و المراد بالظلمات والنور والضلال والهدى وقد تكرر في كلامه تعالى اعتبار الهدى نورا وعد الضلال ظلمة وجمع الظلمات دون النور لأن الهدى من الحق والحق واحد لا تغاير بين أجزائه ومصاديقه ولا كثرة بخلاف الضلال فإنه من اتباع الهوى والأهواء مختلفة متغاير بعضها مع بعض لا وحدة بينها ولا اتحاد لأبعاضها ومصاديقها قال تعالى:"و إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام: 153.
واللام في قوله:"لتخرج الناس"إلخ ، لام الغرض بناء على عموم الناس كما هو ظاهر الآية ، وليس بلام المعاقبة إذ لو كان كذلك لكان الناس كلهم مؤمنين ، والمعلوم خلافه.
وأما ما اعترض عليه بعضهم أن التربية الإلهية بإخراج الناس من الظلمات إلى النور وإيصالهم إلى السعادة والكمال مشروطة بالتهيؤ والاستعداد مع كون الفيض عاما فالمقدار الممكن من هذه العاقبة على تقدير عمومه هو هذا المقدار.
ففيه أنه اعتراف بأن كون اللام للعاقبة خلاف ظاهر الآية ، فإن الذي ذكره لا يتم إلا بتقييد"الناس"بالمستعدين ، لكن الذي يجب أن يعلم أن هذا الغرض غرض تشريعي معناه أن للحكم غاية مقصودة وهي المصلحة التي يستعقبها ، فإن الله سبحانه يدعو الناس ليغفر لهم ويهديهم إلى الإيمان والعمل الصالح ليسعدهم بذلك ويدخلهم الجنة ، ويرسل الرسل وينزل عليهم الكتاب ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، ويريد بما يوجهه إليهم من الأمر والنهي أن يطهرهم ويذهب عنهم رجز الشيطان ، والآيات الدالة على ذلك كثيرة لا موجب لإيرادها وكذا الروايات ولعلها تزهو الألوف.
وقد قال سبحانه:"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": الزخرف: - 3 وقال:"و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء": الآية: - 4 من السورة ، فبين أن ما نعقله من كتابه ويظهر لنا من بيان رسوله حجة لا مناص عنه ، ونحن لا نعقل من قوله مثلا:"يدعوكم ليغفر لكم": إبراهيم: - 10 ، إلا أن المغفرة غرض الدعوة كما لا نعقل من قول السيد لعبده أو أي متبوع لتابعه: ايتني بماء لأشربه أو بغذاء لآكله أو اكس فلانا ليستر به عورته إلا أن الشرب والأكل وستر العورة أغراض لأوامرها ، فلله سبحانه فيما ينزله من الأحكام والشرائع أغراض وغايات مقصودة.
نعم بين سبحانه أن ساحته منزهة عن الفقر والحاجة مبرأة عن النقص والشين إذ قال:"إن الله لغني عن العالمين": العنكبوت: 6 ، وقال:"و ربك الغني ذو الرحمة": الأنعام: 133 ، وقال:"يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني": فاطر: 15 ، فأفاد أنه في غنى عن كل شيء لا ينتفع بشيء من هذه الأغراض وليست أفعاله تعالى بالعبث والجزاف حتى تخلو عن الغرض ، كيف؟ وقد وصف نفسه بالحكمة والحكيم لا يعبث ولا يجازف ، ونص على انتفاء العبث من فعله:"أ فحسبتم أنما خلقناكم عبثا": المؤمنون: 115 ، والأمر والنهي اللذان يتم بهما الكمال في العالم الإنساني يعودان بالآخرة إلى ما يتم به الخلقة.
فلله سبحانه في خلقه وأمره أغراض ، وإن كان لا يستكمل بأغراض أفعاله كما نستكمل نحن بأغراض أفعالنا لكنه سبحانه لا يتأثر عن أغراضه وبعبارة أخرى الحكم والمصالح لا تؤثر فيه تعالى كما أن مصلحة الفعل تؤثر فينا فيبعثنا تعقلها نحو الفعل ونرجح الفعل على الترك ، فإنه سبحانه هو القاهر غير المقهور والغالب غير المغلوب ، يملك كل شيء ولا يملكه شيء ، ويحكم على كل شيء ولا يحكم عليه شيء ، ولم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل ، فلا يكون تعالى محكوما بعقل بل هو الذي يهدي العقل إلى ما يعقله ، ولا تضطره مصلحة إلى فعل ولا مفسدة إلى ترك بل هو الهادي لهما إلى ما توجبانه.
فالغرض والمصلحة منتزعة من مقام فعله بمعنى أن فعله يتوقف على المصلحة لكنها لا تحكم في ذاته تعالى ولا تضطره إلى الفعل ، فكما أنه تعالى إذا خلق شيئا وقال له: كن فكان كزيد مثلا انتزع العقل من العين الخارجية نفسها أنها إيجاد من الله تعالى ووجود لزيد وحكم بأن وجوده يتوقف على إيجاده ، كذلك ينتزع العقل من فعله تعالى بالنظر إلى ما أشرنا إليه من صفاته العليا أنه فعله وأنه ذو مصلحة مقصودة ثم يحكم بأن تحقق الفعل يتوقف على كونه ذا مصلحة.