فهرس الكتاب

الصفحة 2408 من 4314

فهذا هو الذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى في كون أفعاله تعالى مشتملة على الحكم والمصالح متوقفة على الأغراض والمتحصل من ذلك أن له تعالى في أفعاله أغراضا لكنها راجعة إلى خلقه دونه.

وملخصه أن غرضه في فعله يفارق أغراضنا في أفعالنا من وجهين: أحدهما أنه تعالى لا يستكمل بأغراض أفعاله وغاياتها بخلافنا معاشر ذوي الشعور والإرادة من الإنسان وسائر الحيوان ، وثانيهما أن المصلحة والمفسدة لا تحكمان فيه تعالى بخلاف غيره.

وأما النزاع المعروف بين الأشاعرة والمعتزلة في أن أفعال الله معللة بالأغراض أم لا؟ بمعنى أنه تعالى هل هو محكوم بالمصلحة الواقعية في فعله بحيث إن المصلحة ترجح له الفعل على الترك ولولاها لم يكن له ليفعل؟ أو أنه لا غاية له في فعله وإنما يفعل بإرادة جزافية من غير غرض؟.

فذلك مما لا يهدي إلى شيء من طرفيه النظر المستوفى والحق خلاف القولين جميعا ، وهو أمر بين الأمرين كما أشرنا إليه ولعلنا نوفق فيما سيأتي من الكتاب لعقد بحث مستقل في المسألة نستوفي فيه النظر العقلي والنقلي فيها إن شاء الله تعالى.

وفي قوله:"بإذن ربهم"التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة والنكتة فيه التخلص إلى ذكر صفة الربوبية وتسجيل أنه تعالى هو رب هؤلاء المشركين الذين اتخذوا له أندادا فإن وجه الكلام في الحقيقة إليهم وإن كان المخاطب به هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دونهم ولتكون هذه التسمية وهي في مفتتح الكلام مبدأ لما سيذكر في السورة من الحجة على توحيد الربوبية.

قوله تعالى:"إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض"العزة تقابل الذلة ، قال الراغب: العزة حالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم: أرض عزاز أي صلبة ، قال تعالى:"أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا"وتعزز اللحم اشتد وعز كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه ، انتهى موضع الحاجة.

فعزة العزيز هي كونه بحيث يصعب نيله والوصول إليه ومنه عزيز القوم وهو الذي يقهر ولا يقهر لأنه ذو مقام لا يصل إليه من قصده دون أن يمنع قبل الوصول إليه ويقهر ، ومنه العزيز لما قل وجوده لصعوبة نيله ، ومنه العزيز بمعنى الشاق لأن الذي يشق على الإنسان يصعب حصوله ، قال تعالى:"عزيز عليه ما عنتم"،: التوبة: 128 ، ومنه قوله:"و عزني في الخطاب"،: (صلى الله عليه وآله وسلم) : 23 ، أي غلبني على ما فسر به.

والله سبحانه عزيز لأنه الذات الذي لا يقهره شيء من جهة وهو يقهر كل شيء من كل جهة ولذلك انحصرت العزة فيه تعالى فلا توجد عند غيره إلا باكتساب منه وبإذنه قال تعالى:"أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا": النساء: 139 ، وقال"من كان يريد العزة فلله العزة جميعا": فاطر: 10.

والحميد فعيل بمعنى المفعول من الحمد وهو الثناء على الجميل الاختياري ، وإذ كان كل جمال ينتهي إليه سبحانه كان جميع الحمد له كما قال:"الحمد لله رب العالمين": سورة الحمد: 2 ومن غريب القول ما عن الإمام الرازي على ما سننقله: أن الحميد معناه العالم الغني.

وقوله:"إلى صراط العزيز الحميد"بدل من قوله:"إلى النور"يبين به ما يوصل إليه الكتاب الذي أنزله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيانا بعد بيان فنبه أولا بأنه نور يميز الحق من الباطل والخير من الشر والسعادة من الشقاوة ، وثانيا بأنه طريق واضح يجمع سالكيه في متنه وينتهي بهم جميعا إلى الله العزيز الحميد.

والوجه في ذكر الصفتين الكريمتين:"العزيز الحميد"أنهما مبدءان لما سيورد في السورة من الكلام الموجه إليهم فإن عمدة الكلام في السورة هي تذكيرهم أن الله أنعم عليهم بربوبيته كل نعمة عظيمة ، ثم عزم عليهم من طريق رسله أن يشكروه ولا يكفروه ووعد رسله أنهم إن آمنوا أدخلهم الجنة ، وإن كفروا انتقم منهم وأوردهم مورد الشقاء والعذاب ، فليخافوا ربهم وليحذروا مخالفة أمره وكفران نعمته لأن له كل العزة لا نمنع عن حلول سخطه بهم ونزول عذابه عليهم شيء ، حميد لا يذم في إثابته المؤمنين ، ولا في تعذيب الكافرين ، كما لا يذم فيما بسط عليهم من نعمه التي لا تحصى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت