فهرس الكتاب

الصفحة 2409 من 4314

فجل الكلام في هذه السورة فيما يقتضيه الصفات الثلاث: توحده تعالى بالربوبية وعزته وكونه حميدا في أفعاله فليخف من عزته المطلقة ، وليشكر وليوثق بما وعد وليتذكر من آيات ربوبيته.

وفي روح المعاني عن أبي حيان: النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله تعالى لهذا الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الذي لا يقدر عليه سواه ، وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

قال: ووجه التقديم والتأخير على هذا ظاهر انتهى.

وهو أجنبي عن سياق آيات السورة البتة ولعله مأخوذ من قوله تعالى في وصف القرآن:"و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد": حم السجدة: 42 ، لكن المقام غير المقام.

وعن الإمام في تفسيره: إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد لأن الصحيح أن أول العلم بالله تعالى العلم بكونه قادرا ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ثم بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات والعزيز هو القادر ، والحميد هو العالم الغني فلما كان العلم بكونه قادرا متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عنه لا جرم قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد.

انتهى ، وهو مجازفة عجيبة.

وقريب منه في المجازفة قول بعضهم: قدم العزيز على الحميد اعتناء بأمر الصفات السلبية كما يؤذن به قولهم: التخلية أولى من التحلية فإن العزة - كما تقدم - من الصفات السلبية بخلاف الحمد.

وربما قيل في وجه تخصيص الوصفين بالذكر أنه للترغيب في سلوك هذا الصراط لأنه صراط العزيز الحميد فيعز سالكه ويحمد سابله ، انتهى.

وهو وجه الأحرى به أن يجعل من الفوائد المتفرعة دون السبب الموجب ، والوجه ما قدمناه.

وأما قوله"الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض"فبيان للعزيز الحميد ، والمراد بما في السماوات والأرض كل ما في الكون فيشمل نفس السماوات والأرض كما يشمل ما فيهما ، فهو تعالى يملك كل شيء من كل جهة بحقيقة معنى الملك.

وفيه إشارة إلى الحجة في كونه تعالى عزيزا حميدا ، فإنه تعالى وإن كان هو الذي يحق الحق بكلماته وهو الذي ينجح كل حجة في دلالتها ، لكنه جارى عباده في كلامه على ما فطرهم عليه ، وذلك أنه تعالى لما ملك كل خلق وأمر بحقيقة معنى الملك فهو المالك لكل قهر وغلبة فلا قهر إلا منه ولا غلبة إلا له فهو تعالى عزيز وله أن يتصرف في ما يشاء بما يشاء ولا يكون تصرفه إلا محمودا غير مذموم لأن التصرف إنما يكون مذموما إذا كان المتصرف لا يملكه إما عقلا أو شرعا أو عرفا ، وأي تصرف نسبه إليه تعالى عقل أو شرع أو عرف فإنه يملكه ، فهو تعالى حميد محمود الأفعال.

قوله تعالى:"و ويل للكافرين من عذاب شديد"بيان لما تقتضيه صفة العزة من القهر لمن يرد دعوته ويكفر بنعمته.

قوله تعالى"الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا"إلخ ، قال الراغب في المفردات: وقوله عز وجل:"إن استحبوا الكفر على الإيمان"أي إن آثروه عليه ، وحقيقة الاستحباب أن يتحرى الإنسان في الشيء أن يحبه ، واقتضى تعديته بعلى معنى الإيثار ، وعلى هذا قوله تعالى:"و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"، انتهى.

ومعنى استحباب الدنيا على الآخرة اختيار الدنيا وترك الآخرة رأسا ، ويقابله اختيار الآخرة على الدنيا بمعنى أخذ الآخرة غاية للسعي وجعل الدنيا مقدمة لها يتوسل بها إليها ، وأما اختيار الآخرة وترك الدنيا من أصلها فإنه مضاف إلى عدم إمكانه بحقيقة معنى الكلمة يوجب اختلال أمر الآخرة ، وينجر إلى تركها بالآخرة ، فالحياة الدنيا حياة منقطعة والحياة الآخرة حياة دائمة يتوسل إلى سعادتها من طريق الدنيا بالاكتساب ، فمن اختار الآخرة وأثبتها لزمه إثبات الدنيا لمكان مقدميتها ، ومن اختار الدنيا وجعلها غاية لزمه نفي الآخرة من أصلها لأنها لو ثبتت ثبتت غاية وإذ لم يجعل غاية انتفت ، فليس بين يدي الإنسان إلا خصلتان: اختيار الآخرة على الدنيا بجعل الآخرة غاية وإثبات الدنيا معها للمقدمية ، واختيار الدنيا على الآخرة بجعل الدنيا غاية ونفي الآخرة من أصلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت