فهرس الكتاب

الصفحة 2416 من 4314

و كيف كان فقوله:"قالت رسلهم أ في الله شك"إلخ ، كلام قوبل به قولهم:"و قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب"وقد عرفت أن قولهم هذا يتضمن إنكارين: إنكارهم للرسالة وتشككهم في توحيد الربوبية فكلام الرسل المورد جوابا منهم عن قولهم بالمقابلة متضمن لجزءين.

فقولهم:"أ في الله شك فاطر السماوات والأرض"برهان على توحيد الربوبية إذ لو سيق لمجرد الإنكار على الكفار من غير إشارة إلى برهان لم يكن حاجة إلى ذكر الوصف"فاطر السماوات والأرض"، ففي ذكره دلالة على أنه مزيل كل شك وريب عنه تعالى.

وذلك أنا نرى في أول ما نعقل أن لهذا العالم المشهود الذي هو مؤلف من أشياء كثيرة كل واحد منها محدود في نفسه متميز من غيره وجودا ، وليس وجوده ولا وجود شيء من أجزائه من نفسه وقائما بذاته وإلا لم يتغير ولم ينعدم فوجوده ووجود أجزائه وكذا كل ما يرجع إلى الوجود من الصفات والآثار من غيرها ولغيرها وهذا الغير هو الذي نسميه"الله"عز اسمه.

فهو تعالى الذي يوجد العالم وكل جزء من أجزائه ويحده ويميزه من غيره فهو في نفسه موجود غير محدود وإلا لاحتاج إلى آخر يحدده فهو تعالى واحد لا يقبل الكثرة لأن ما لا يحد بحد لا يقبل الكثرة.

وهو بوحدته يدبر كل أمر كما أنه يوجده لأنه هو المالك لوجودها والكل أمر يرجع إلى وجودها ، ولا يشاركه غيره في شيء لأن شيئا من الموجودات غيره لا يملك لنفسه ولا لغيره فهو تعالى رب كل شيء لا رب غيره ، كما أنه موجد كل شيء لا موجد غيره.

وهذا برهان تام سهل التناول حتى للأفهام البسيطة يناله الإنسان الذي يذعن بفطرته أن للعالم المشهود حقيقة وواقعية من غير أن يكون وهما مجردا كما يبديه السفسطة والشك ، ويثبت به توحد الألوهية والربوبية ولذلك تمسك به في هذا المقام الذي هو مقام خصام الوثنية.

ومن هنا يظهر فساد زعم من زعم أن قوله:"أ في الله شك فاطر السماوات والأرض"حجة مسوقة لإثبات خالق للعالم ، وكذا قول من قال: إنه دليل اتصال التدبير لتوحيد الربوبية بل هو برهان عليه تعالى من جهة قيام وجود كل شيء وآثار وجوده به من كل جهة فينتج توحده في الربوبية ويزول به ما أيدوه من الشك بقولهم:"و إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب".

ثم قولهم:"يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى"إشارة إلى برهان النبوة التي أنكروها بقولهم:"إنا كفرنا بما أرسلتم به"يريدون به دين الرسل والشريعة السماوية بالوحي.

وبيانه أن من سنته تعالى الجارية هداية كل شيء إلى كماله وسعادته النوعية ، والإنسان أحد هذه الأنواع المشمولة للهداية الإلهية فمن الواجب في العناية الإلهية أن يهتدي إلى سعادة حياته.

ولكن له حياة خالدة غير محدودة بالدنيا ولا منقطعة بالموت ، وسعادته في الحياة أن يعيش في الدنيا عيشة مطمئنة على أساس تعديل قواه في التمتع من أمتعة الحياة من مأكول ومشروب ولباس ونكاح وغير ذلك وهي الأعمال الصالحة ، وفي الآخرة أن يعيش على ما اكتسبه من الاعتقاد الحق والعمل الصالح.

وهو وإن كان مجهزا بفطرة تذكره حق الاعتقاد وصالح العمل لكنه مجبول من جهة أخرى على العيشة الاجتماعية التي تدعوه إلى اتباع الأهواء والظلم والفسق ، فمجرد ذكرى الفطرة لا يكفي في حمله على سنة حقة عادلة تحصل له الاستقامة في الاعتقاد والعمل ، وإلا لم يفسد المجتمع الإنساني ولا واحد من أجزائه قط وهم مجهزون بالفطرة.

فمن الواجب في العناية أن يمد النوع الإنساني مع ما له من الفطرة الداعية إلى الصلاح والسعادة بأمر آخر تتلقى به الهداية الإلهية وهو النبوة التي هي موقف إنساني طاهر ينكشف له عنده الاعتقاد الحق والعمل الصالح بوحي إلهي وتكليم غيبي يضمن اتباعه سعادة الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة.

أما سعادة الدنيا فلما تقدم كرارا أن بين المعاصي والمظالم وبين النكال والعقوبة الإلهية التي تنتهي إلى الهلاك ملازمة فلو لم يفسد المجتمع وداموا على الصلاح الفطري لم يختر منهم الهلاك ولم يفاجئهم النكال وعاشوا ما قدر لهم من الآجال الطبيعية.

والعيشة المغبوطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت