و أما سعادة الآخرة فلأن اتباع الدعوة الإلهية وبعبارة أخرى الإيمان والتقوى يحليان النفس بالهيأة الصالحة ويذهبان بدرن النفس الذي هو الذنوب بمقدار الاتباع.
فربوبيته تعالى لكل شيء المستوجبة لتدبيرها أحسن تدبير وهدايته كل نوع إلى غايته السعيدة تستدعي أن تعني بالناس بإرسال رسل منهم إليهم ودعوته الناس بلسان رسله إلى الإيمان والعمل الصالح ليتم بذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فبالتخلص عن النكال والعقوبة القاضية عليهم ، وأما في الآخرة فبالمغفرة الإلهية بمقدار ما تلبسوا به من الإيمان والعمل الصالح.
إذا عرفت ما ذكرناه بان لك أن قوله تعالى حاكيا عن الرسل:"يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى"إشارة منهم (عليهم السلام) إلى حجة النبوة العامة وأن قوله:"ليغفر لكم"إلخ ، إشارة إلى غاية الدعوة الأخروية وقوله:"و يؤخركم"إلخ إشارة إلى غايتها الدنيوية ، وقدم ما للآخرة على ما للدنيا لأن الآخرة هي المقصودة بالذات وهي دار القرار.
وقد نسبوا الدعوة في كلامهم إلى الله سبحانه للتنبيه لما هو الحق تجاه قول الكفار"تدعوننا إليه"حيث نسبوها إلى الرسل ، وقوله:"من ذنوبكم"ظاهر في التبعيض ، ولعله للدلالة على أن المغفرة على قدر الطاعة ، والمجتمع الإنساني لا يخلو عن المعصية المستوجبة للمؤاخذة البتة ، فالمغفور على أي حال بعض ذنوب المجتمع لا جميعها فافهم ذلك.
وربما ذكر بعضهم أن المراد به أنه يغفر حقوق الله لا حقوق الناس ، ورد بأنه صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الإسلام يجب ما قبله.
وربما قيل: إن"من"زائدة وأيد بقوله تعالى في موضع آخر:"يغفر لكم ذنوبكم"بدون من.
وفيه أن من إنما يزاد في النفي دون الإثبات كقولهم: ما جاءني من رجل وتدخل على النكرة دون المعرفة كما قيل.
على أن مورد الآيتين مختلف فإن قوله:"يغفر لكم ذنوبكم"الظاهر في مغفرة الجميع إنما هو في مورد الإيمان والجهاد وهو قوله:"تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم - إلى أن قال - يغفر لكم ذنوبكم": الصف: 12 والذي حكاه الله عن نوح (عليه السلام) في مثل المقام وهو أول هؤلاء الرسل المذكورين في الآية قوله:"أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى": نوح: 4 ، وهو يوافق الآية التي نحن فيها فالتبعيض لا مفر منه ظاهرا.
ومما قيل في توجيه الآية أن المراد بالبعض الكل توسعا ، ومن ذلك أن المراد مغفرة ما قبل الإيمان من الذنوب وأما ما بعد ذلك فمسكوت عنه ، ومن ذلك أن المراد مغفرة الكبائر وهي بعض الذنوب إلى غير ذلك ، وهذه وجوه ضعيفة لا يعبأ بها.
وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله:"من ذنوبكم"؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين بقوله:"و اتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم""يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم"، وقال في خطاب المؤمنين:"هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - إلى أن قال - يغفر لكم ذنوبكم"وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء ، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ، ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد.
انتهى.
وكأن مراده أن المغفور من الذنوب في الفريقين واحد وهو جميع الذنوب ، إلا أن تشريف مقام الإيمان أوجب أن يصرح في المؤمنين بمغفرة الجميع ، ويقتصر في وعد الكفار على مغفرة البعض والسكوت عن الباقي ، ومغفرة بعضها لا تنافي مغفرة البعض الآخر ، فليكن هذا مراده وإلا فمجرد التفرقة بين الخطابين لا ينتج ارتكاب مخالفة الواقع بتاتا.
وقوله:"و يؤخركم إلى أجل مسمى"أي لا يعاجلكم بالعقوبة والهلاك ويؤخركم إلى الأجل الذي لا يؤخر وقد سماه لكم ولا يبدل القول لديه ، وقد تقدم في تفسير أول سورة الأنعام أن الأجل أجلان: أجل موقوف معلق ، وأجل مسمى لا يؤخر.
ومن الدليل على هذا الذي ذكرناه قول نوح لقومه في هذا المقام على ما حكاه الله سبحانه:"و يؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر": نوح: 4.