قوله تعالى:"قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قد تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب أن الآية المعجزة حجة عامة على نبوة النبي لا حجة عامية وخاصة الوحي والنبوة التي هي نوع اتصال بالغيب أمر خارق للعادة الجارية بين أفراد الإنسان لا يجدونها من أنفسهم فعلى من يدعيها الإثبات ولا طريق إلى إثباتها إلا بالإتيان بخارق عادة آخر يدل على صحة هذا الاتصال الغيبي لأن حكم الأمثال واحد ، وإذا جاز أن تخترق العادة بشيء جاز أن تخترق بما يماثله."
والرسل (عليهم السلام) لما احتجوا على كفار أممهم في النبوة العامة بقولهم:"يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى"عادت الكفار إليهم بطلب الدليل منهم على ما يدعونه من النبوة لأنفسهم معتذرين في ذلك بقولهم:"إن أنتم إلا بشر مثلنا"، ثم صرحوا بما يطلبونه من الدليل وهو الآية المعجزة بقولهم:"فأتونا بسلطان مبين".
فالمعنى سلمنا أن من مقتضى العناية الإلهية أن يدعونا إلى المغفرة والرحمة ، لكنا لا نسلم لكم أن هذه الدعوة قائمة بكم كما تدعون فإنكم بشر مثلنا لا تزيدون علينا بشيء ، ولو كان مجرد البشرية يوجب ذلك لكنا وجدناه من أنفسنا ونحن بشر ، فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه فأتونا بسلطان مبين أي ببرهان قاطع يتسلط على عقولنا ويضطرنا إلى الإذعان بنبوتكم وهو آية معجزة غيبية تخرق العادة كما أن ما تدعونه خارق مثلها.
وبهذا البيان يظهر أولا أن كلامهم هذا من قبيل منع الدعوى ، وقولهم:"إن أنتم إلا بشر مثلنا"سند المنع ، وقولهم:"فأتونا بسلطان مبين"تصريح بطلب الدليل.
وثانيا أن قولهم:"تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا"من قبيل الاعتراض الواقع بين المنع وسنده ومعناه أنكم لما كنتم بشرا مثلنا لا فضل لكم علينا بشيء فلا وجه لأن نقبل منكم ما لا نجده من أنفسنا ولا نعهده من أمثالنا ، والذي نعهده من أمثال هذه الأمور أنها إنما تظهر عن أغراض ومطامع دنيوية مادية فليس إلا أنكم تريدون أن تصرفونا عن سنتنا القومية وطريقتنا المثلى.
قوله تعالى:"قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء"إلى آخر الآية جواب الرسل عما أوردوه على رسالتهم بأنكم بشر مثلنا فلستم ذوي هوية ملكوتية حتى تتصلوا بالغيب فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه القدرة الغيبية فأتونا بسلطان مبين.
ومحصل الجواب أن كوننا بشرا مثلكم مسلم لكنه يوجب خلاف ما استوجبتموه أما قولكم إن كونكم بشرا مثلنا يوجب أن لا تختصوا بخصيصة لا نجدها من أنفسنا وهي الوحي والرسالة فجوابه: أن المماثلة في البشرية لا توجب المماثلة في جميع الكمالات الصورية والمعنوية الإنسانية كما أن اعتدال الخلقة وجمال الهيئة وكذا رزانة العقل وإصابة الرأي والفهم والذكاء كمالات صورية ومعنوية توجد في بعض أفراد الإنسان دون بعض ، فمن الجائز أن ينعم الله بالوحي والرسالة على بعض عباده دون بعض فإن الله يمن على من يشاء منهم.
وأما قولكم:"فأتونا بسلطان مبين"فإنه مبني على كون النبي ذا شخصية ملكوتية وقدرة غيبية فعالة لما تشاء ، وليس كذلك فما النبي إلا بشر مثلكم يوحى إليه بالرسالة وليس له من الأمر شيء ، وما كان له أن يأتي بآية من عنده إلا أن يشاء الله ذلك ويأذن فيه.
فقوله:"إن نحن إلا بشر مثلكم"تسليم من الرسل لقولهم:"إن أنتم إلا بشر مثلنا"لاستنتاج خلاف ما استنتجوه منه ، وقوله:"و لكن الله يمن على من يشاء"إشارة إلى مقدمة بانضمامها يستنتج المطلوب ، وقوله:"و ما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله"جواب منهم استنتجوه من كونهم بشرا مثلهم.
وتذييل هذا الكلام بقولهم:"و على الله فليتوكل المؤمنون"للإشارة إلى ما يجري مجرى حجة ثانية على إرجاع الأمر كله - ومنه أمر الآية المعجزة - إلى الله وهي حجة خاصة بالمؤمنين ، وملخصها أن الإيمان بالله سبحانه يقتضي منهم أن يذعنوا بأن الإتيان بالآية إنما هو إلى الله لأن الحول والقوة له خاصة لا يملك غيره من ذلك شيئا إلا بإذنه.