فهرس الكتاب

الصفحة 2419 من 4314

و ذلك لأنه هو الله عز شأنه ، فهو الذي يبدأ منه وينتهي إليه ويقوم به كل شيء فهو رب كل شيء المالك لتدبير أمره لا يملك شيء أمرا إلا بإذنه فهو وكيل كل شيء القائم بما يرجع إليه من الأمر ، فعلى المؤمن أن يتخذ ربه وكيلا في جميع ما يرجع إليه حتى في أعماله التي تنسب إليه لما أن القوة كلها له سبحانه وعلى الرسول أن يذعن بأن ليس له الإتيان بآية معجزة إلا بإذن الله.

والآية ظاهرة في أن الرسل (عليهم السلام) لم يدعوا امتناع إتيانهم بالآية المعجزة المسماة سلطانا مبينا ، وإنما ادعوا امتناع أن يستقلوا بذلك من غير حاجة فيه إلى إذن الله سبحانه واحتجوا على ذلك أولا ، وثانيا.

قوله تعالى:"و ما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون"ما استفهامية والاستفهام للإنكار ، وقوله:"و قد هدانا سبلنا"حال من الضمير في"لنا"وسبل الأنبياء والرسل الشرائع التي كانوا يدعون إليها ، قال تعالى:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة": يوسف: 108 والمعنى ما الذي نملكه من العذر في أن لا نتوكل على الله والحال أنه تعالى هدانا سبلنا ولم يكن لنا صنع في هذه النعمة والسعادة التي من بها علينا فإذا كان سبحانه فعل بنا هذا الفعل الذي هو كل الخير فمن الواجب أن نتوكل عليه في سائر الأمور.

وهذا في الحقيقة حجة ثانية على وجوب التوكل عليه وإلقاء الزمام إليه سلك فيها من طريق الآثار الدالة على وجوب التوكل عليه كما أن الحجة السابقة سلك فيها من النظر في نفس المؤثر ، وتقرير الحجة أن هدايته تعالى إيانا إلى سبلنا دليل على وجوب التوكل عليه لأنه لا يخون عباده ولا يريد بهم إلا الخير ومع وجود الدليل على التوكل لا معنى لوجود دليل على عدم التوكل يكون عذرا لنا فيه فلا سبيل لنا إلى عدم التوكل عليه تعالى.

فقوله تعالى:"و على الله فليتوكل المؤمنون"يجري مجرى اللم ، وقوله:"و ما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا"مجرى الإن فتدبر في هذا البيان العذب والاحتجاج السهل الممتنع الذي قدمه القرآن الكريم إلى متدبريه في أوجز لفظ.

وقوله:"و لنصبرن على ما آذيتمونا"من تفريع الصبر على ما بين من وجوب التوكل عليه أي إذا كان من الواجب أن نتوكل عليه ونحن مؤمنون به وقد هدانا سبلنا فلنصبرن على إيذائكم لنا في سبيل الدعوة إليه متوكلين عليه حتى يحكم بما يريد ويفعل ما يشاء من غير أن نأوي في ذلك إلى ما عندنا من ظاهر الحول والقوة.

وقوله:"و على الله فليتوكل المتوكلون"كلام مبني على الترقي أي كل من تلبس بالتوكل فعليه أن يتوكل على الله سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن إذ لا دليل غيره غير أن المتوكل بحقيقة التوكل لا يكون إلا مؤمنا فإنه مذعن أن الأمر كله لله فلا يسعه إلا أن يطيعه فيما يأمر وينتهي عما ينهى ويرضى بما رضي به ويسخط عما سخط عنه وهذا هو الإيمان.

قوله تعالى:"و قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا"هذا تهديد منهم بعد ما عجزوا في مناظرتهم وخسروا في محاجتهم ، والخطاب في قولهم:"لنخرجنكم"إلخ للرسل والذين آمنوا معهم فما كانوا ليرضوا أن يعود الرسل في ملتهم ويبقى أتباعهم على دين التوحيد.

على أن الله سبحانه صرح بذلك في قصص بعضهم كقوله في شعيب:"قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا": الأعراف: 88.

وقوله:"أو لتعودن في ملتنا"عاد من الأفعال الناقصة بمعنى الصيرورة وهي الحيلولة من حال إلى حال سواء كان عليها سابقا أو لا ومن الدليل عليه - كما قيل - قوله:"في ملتنا"ولو كان بمعنى الرجوع إلى ما كان لتعين أن يقال: إلى ملتنا.

ومن هنا يظهر فساد ما قيل: إن ظاهر الآية أن الرسل كانوا قبل الرسالة في ملتهم فكلفهم الكفار أن يعودوا إلى ما كانوا عليه.

على أن خطابهم لم يكن للرسل خاصة بل لهم ولمن آمن بهم ممن كان على ملة الكفار من قبل فالخطاب لهم ولرسلهم بالعود إلى ملتهم على تقدير كون العود بمعنى الرجوع ، إنما هو من باب التغليب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت