فهرس الكتاب

الصفحة 2439 من 4314

و المراد بالأمن الذي سأله (عليه السلام) الأمن التشريعي دون التكويني - كما تقدم في تفسير آية البقرة - فهو يسأل ربه أن يشرع لأرض مكة حكم الحرمة والأمن ، وهو - على خلاف ما ربما يتوهم - من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده فإنا لو تأملنا هذا الحكم الإلهي الذي شرعه إبراهيم (عليه السلام) بإذن ربه أعني حكم الحرمة والأمن وأمعنا فيما يعتقده الناس من تقديس هذا البيت العتيق وما أحاط به من حرم الله الآمن وقد ركز ذلك في نفوسهم منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم وجدنا ما لا يحصى من الخيرات والبركات الدينية والدنيوية عائدة إلى أهلها وإلى سائر أهل الحق ممن يحن إليهم ويتعلق قلبه بهم ، وقد ضبط التاريخ من ذلك شيئا كثيرا وما لم يضبط أكثر فجعله تعالى مكة بلدا آمنا من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده.

قوله تعالى:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس - إلى قوله - غفور رحيم"يقال: جنبه وأجنبه أي أبعده ، وسؤاله (عليه السلام) أن يجنبه الله ويبعده وبنيه من عبادة الأصنام لواذ والتجاء إليه تعالى من الإضلال الذي نسبه إليهن في قوله:"رب إنهن أضللن"إلخ.

ومن المعلوم أن هذا الإبعاد والإجناب منه تعالى كيفما كان وأيا ما كان تصرف ما وتأثير منه تعالى في عبده بنحو ، غير أنه ليس بنحو يؤدي إلى الإلجاء والاضطرار ولا ينجر إلى القهر والإجبار بسلب صفة الاختيار منه إذ لا مزية لمثل هذا الابتعاد حتى يسأل ذلك مثل إبراهيم خليل الله.

فرجع بالحقيقة إلى ما تقدم في قوله تعالى:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت"الآية ، أن كل خير من فعل أو ترك فإنه منسوب إليه تعالى أولا ، ثم إلى العبد ثانيا بخلاف الشر من فعل أو ترك فإنه منسوب إلى العبد ابتداء ولو نسب إليه تعالى فإنما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة ، وقد أوضحنا ذلك.

فالاجتناب من عبادة الأصنام إنما يتحقق عن إجناب من الله رحمة منه لعبده وعناية ، وليس في الحقيقة إلا أمرا تلبس واتصف به العبد غير أنه إنما يملكه بتمليك الله سبحانه فهو المالك له بذاته والعبد يملكه بأمر منه وإذن كما أن العبد إنما يهتدي عن هداية من الله ، وليس هناك إلا هدى واحد لكنه مملوك لله سبحانه لذاته والعبد إنما يملكه بتمليك منه سبحانه ، وأبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة أن الله يوفق عبده لفعل الخير وترك الشر هذا.

فتلخص أن المراد بقوله (عليه السلام) "و اجنبني"سؤال ما لله سبحانه من الصنع في ترك العبد عبادة الأصنام وبعبارة أخرى هو يسأل ربه أن يحفظه وبنيه من عبادة الأصنام ويهديهم إلى الحق إن هم عرضوا أنفسهم لذلك وأن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا وأن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا فهذا معنى دعائه (عليه السلام) .

ومنه يعلم أن نتيجة الدعاء لبعض المدعوين لهم وإن كان بلفظ يستوعب الجميع ، وهذا البعض هم المستعدون لذلك دون المعاندين والمستكبرين منهم وسنزيده بيانا.

ثم هو (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء لنفسه وبنيه:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام"وبنوه جميع من جاء من نسله بعده وهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق فإن الابن كما يطلق على الولد من غير واسطة كذلك يطلق على غيره ، ويصدق ذلك القرآن الكريم قال تعالى:"ملة أبيكم إبراهيم": الحج: 78 وقد تكرر إطلاق بني إسرائيل على اليهود في نيف وأربعين موضعا من كلامه تعالى.

فهو (عليه السلام) يسأل البعد عن عبادة الأصنام لنفسه ولجميع من بعده من بنيه بالمعنى الذي تقدم ، اللهم إلا أن يقال: إن قرائن الحال والمقال تدل على اختصاص الدعاة بآل إسماعيل القاطنين بالحجاز فلا يعم بني إسحاق.

ثم عقب (عليه السلام) دعاءه:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام"بقوله:"رب إنهن أضللن كثيرا من الناس"وهو في مقام التعليل لدعائه وقد أعاد النداء"رب"إثارة للرحمة الإلهية ، أي إني إنما أسألك أن تبعدني وبني عن عبادتهن لأنهن أضللن كثيرا من الناس ونسبة الإضلال إلى الأصنام لمكان الربط الذي بين الضلال وبينهن وإن لم يكن ارتباطا شعوريا وليس من اللازم في نسبة أي فعل أو أثر إلى شيء أن يقوم به قياما شعوريا وهو ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت