فهرس الكتاب

الصفحة 2440 من 4314

ثم قوله (عليه السلام) :"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم"تفريع على ما تقدم من كلامه أي إذا كان كثير من الناس أضلتهم الأصنام بعبادتهن واستعذت بك وعرضت نفسي وبني عليك أن تجنبنا من عبادتهن افترقنا نحن والناس طائفتين: الضالون عن طريق توحيدك والعارضون لأنفسهم على حفظك وإجنابك فمن تبعني"إلخ".

وقد عبر (عليه السلام) في تفريعه بقوله:"فمن تبعني"والاتباع إنما يكون في طريق - وقد لوح إلى الطريق أيضا بقوله:"أضللن"لأن الضلال إنما يكون عن الطريق - فمراده باتباعه التدين بدينه والسير بسيرته لا مجرد الاعتقاد بوحدانيته تعالى بل سلوك طريقته المبنية على توحيد الله سبحانه ليكون في ذلك عرض النفس على رحمته تعالى وإجنابه من عبادة الأصنام.

ومن الدليل على كون المراد بالاتباع هو سلوك سبيله قوله في ما يعادله من كلامه:"و من عصاني"فإنه نسب العصيان إلى نفسه ولم يقل: ومن كفر بك أو عصاك أو فسق عن الحق ونحو ذلك كما لم يقل فمن آمن بك أو أطاعك أو اتقاك وما أشبهه.

فمراده باتباعه سلوك طريقه والتدين بجميع ما أتى به من الاعتقاد والعمل وبعصيانه ترك سيرته وما أتى به من الشريعة اعتقادا وعملا كأنه (عليه السلام) يقول: من تبعني وعمل بشريعتي وسار بسيرتي فإنه ملحق بي ومن أبنائي تنزيلا أسألك أن تجنبني وإياه أن نعبد الأصنام ، ومن عصاني بترك طريقتي كلها أو بعضها سواء كان من بني أو غيرهم فلا ألحقه بنفسي ولا أسألك إجنابه وإبعاده بل أخلي بينه وبين مغفرتك ورحمتك.

ومن هنا يظهر أولا أن قوله (عليه السلام) :"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم"تفسير لقوله:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام"بالتصرف في البنين تعميما وتخصيصا فهو كتعميم البنين لكل من تبعه من جهة وتخصيصه بالعاصين له منهم من جهة أخرى فليسوا منه ولا ملحقين به ، وبالجملة هو (عليه السلام) يلحق الذين اتبعوه من بعده بنفسه وأما غير متبعيه فيخلي بينهم وبين ربهم الغفور الرحيم كما قال تعالى:"إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا": آل عمران: 68.

وهذه التوسعة والتضييق منه (عليه السلام) نظير مجموع ما وقع منه ومن ربه في الفقرة الأخرى من دعائه على ما يحكيه آية البقرة:"و ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير"حيث سأل الرزق أولا لأهل البلد ثم خصه لمن آمن منهم فعممه الله سبحانه بقوله:"و من كفر"ثانيا.

وثانيا: أن من الممكن أن يستفاد من قوله (عليه السلام) فيمن تبعه: إنه مني وسكوته فيمن عصاه بعد ما كان دعاؤه في نفسه وبنيه أن ذلك تبن منه لكل من تبعه وإلحاق له بنفسه ، ونفي لكل من عصاه عن نفسه وإن كان من بنيه بالولادة ، أو إلحاق لتابعيه بنفسه مع السكوت عن غيرهم بناء على عدم صراحة السكوت في النفي.

ولا إشكال في ذلك بعد ظهور الدليل فإن الولادة الطبيعية لا يجب أن تكون هي الملاك في النسب إثباتا ونفيا ، ولا تجد واحدة من الأمم يقتصرون في النسب إثباتا ونفيا على مجرد الولادة الطبيعية بل لا يزالون يتصرفون بالتوسعة والتضييق وللإسلام أيضا تصرفات في ذلك كنفي الدعي والمولود من الزنا والكافر والمرتد وإلحاق الرضيع والمولود على الفراش إلى غير ذلك ، وفي كلامه تعالى في ابن نوح:"إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح": هود: 46.

وثالثا: أنه (عليه السلام) وإن لم يسأل المغفرة والرحمة صريحا لمن عصاه وإنما عرضهم للمغفرة والرحمة بقوله:"و من عصاني فإنك غفور رحيم"لكنه لا يخلو عن إيماء ما إلى الطلب لمن ترك طريقته وسيرته التي تعد الإنسان للرحمة الإلهية بحفظه من عبادة الأصنام ، وهذا المقدار من المعصية لا يمنع عن شمول الرحمة وإن لم يكن مقتضيا أيضا لذلك ، وليس المراد به نفس الشرك بالله حتى ينافي سؤال المغفرة كما قال تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: 116.

هذا محصل ما يعطيه التدبر في الآيتين الكريمتين وهو في معزل عما استشكله المفسرون في أطراف الآيتين ثم ذهبوا في التخلص عنه مذاهب شتى بعيدة عن الذوق السليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت