فهرس الكتاب

الصفحة 2442 من 4314

و قد قيل في الجواب عن الإشكال: أن الشرك كان جائز المغفرة في الشرائع السابقة وإنما رفع ذلك في هذه الشريعة بقوله:"إن الله لا يغفر أن يشرك به"الآية فإبراهيم (عليه السلام) جرى في دعائه على ما كان عليه الأمر في شريعته.

وقيل: إن المراد: ومن عصاني فإنك غفور رحيم له بعد توبته ففي الكلام قيد محذوف ، وقيل: المراد ومن عصاني وأقام على الشرك فإنك غفور رحيم بأن تنقله من الشرك إلى التوحيد فتغفر له وترحمه.

وقيل: المراد بالمغفرة والرحمة الستر على الشرك في الدنيا والرحمة بعدم معاجلة العقاب فالمعنى ومن عصاني بالإقامة على الشرك فاستر عليه ذلك وارحمه بتأخير العقاب عنه ، وقيل: إن الكلام على ظاهره وكان ذلك منه (عليه السلام) قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك ، ولا نقص بجهل ذلك لأن مغفرة الشرك جائزة عقلا وإنما منع منها الدليل السمعي وليس من الواجب أن يعلم بجميع الأدلة السمعية في يوم واحد ، وقيل: المراد بالمعصية ما دون الشرك.

وهذه أجوبة فاسدة أما الأول فلأن دعوى كون الشرك جائز المغفرة في الشرائع السابقة دعوى لا دليل عليها بل الدليل على خلافها فقد خاطب الله آدم (عليه السلام) بمثل قوله: - وهو أول الشرائع السابقة -"و الذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة: 39 ، وحكى عن المسيح (عليه السلام) وشريعته آخر الشرائع السابقة قوله:"إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار": المائدة: 72 ، والتدبر في آيات القيامة والجنة والنار وفي آيات الشفاعة وفي دعوات الأنبياء المحكية في القرآن لا يدع شكا في أن الشرك لا نجاة لصاحبه بشفاعة أو غيره إلا بالتوبة قبل الموت.

وأما الثاني فلأن تقييد المغفرة والرحمة بالتوبة تقييد من غير مقيد على أن تقييد المعصية بالتوبة يفسد المعادلة في قوله:"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني"إلخ ، فإن العاصي التائب يعود ممن تبعه ويلحق به (عليه السلام) فلا يبقى للمعادلة أزيد من طرف واحد.

وأما الثالث والرابع فلما فيهما من ارتكاب خلاف الظاهر فإن ظاهر طلب المغفرة للعاصي أن يغفر الله له حينما هو عاص لا أن يغفر الله له بعد خروجه بالتوبة عن المعصية إلى الطاعة وكذا ظاهر مغفرة العصيان رفع تبعات معصيته مطلقا أو في الآخرة ، وأما رفع التبعة الدنيوية فقط فأمر بعيد عن الفهم.

وأما الخامس فهو أبعد الوجوه ، وكيف يجوز الاجتراء على مثل الخليل (عليه السلام) وهو في أواخر عمره - كما تقدم - أن يجهل ما هو من واضحات المعارف الدينية ثم يجري على جهله فيشفع عند ربه للمشركين ويسأل لهم المغفرة من غير أن يستأذن الله في ذلك ولو استأذنه لأنبأه أن ذلك مما لا يكون ثم يورد الله سبحانه في كلامه ما ارتكبه من لغو الكلام جهلا ولا يرده ببيان ما هو الحق في ذلك ، وقد اعتذر سبحانه عن استغفاره لأبيه المشرك ورفع عن ساحته كل غميضة فيما قال:"و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه": التوبة: 114.

وأما السادس فتقييد المعصية بما دون الشرك تقييد من غير مقيد ، اللهم إلا أن يقرر بما يرجع إلى ما قدمناه.

فهذه جملة ما ذكره المفسرون في ذيل الآيتين أوردناها ملخصه وقد وقعوا فيما وقعوا لإهمالهم تحقيق القول في معنى حفظه تعالى عن الشرك ، ومعنى تفرع قوله:"فمن تبعني فإنه مني"إلخ على ما تقدمه.

قوله تعالى:"ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم"إلى آخر الآية"من ذريتي"في تأويل مفعول"أسكنت"أو ساد مسده و"من"فيه للتبعيض"ومراده (عليه السلام) ببعض ذريته ابنه إسماعيل ومن سيولد له من الأولاد دون إسماعيل وحده بدليل قوله: بعد"ربنا ليقيموا الصلاة"."

والمراد بغير ذي زرع غير المزروع وهو آكد وأبلغ لأنه يدل - كما قيل - على عدم صلاحيته لأن يزرع لكونه أرضا حجرية رملية خالية عن المواد الصالحة للزرع وهذا كقوله:"قرآنا غير ذي عوج".

ونسبة البيت إلى الله سبحانه لأنه مبني لغرض لا يصلح إلا له تعالى وهو عبادته ، وكونه محرما هو ما جعل الله له من الحرمة تشريعا والظرف أعني قوله"عند بيتك المحرم"متعلق بقوله"أسكنت".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت