فهرس الكتاب

الصفحة 2443 من 4314

و هذه الجملة من دعائه (عليه السلام) أعني قوله:"ربنا إني أسكنت - إلى قوله - المحرم"من الشاهد على ما قدمناه من أنه (عليه السلام) إنما دعا بهذا الدعاء في أواخر عمره بعد ما بنى الكعبة وبنى الناس بلدة مكة وعمروها كما أن من الشاهد عليه أيضا قوله:"الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق".

وبذلك يندفع ما ربما يستشكل فيقال: كيف سماه بيتا وقال أسكنت من ذريتي عنده ولم يبنه بعد؟ كأن السائل يقدر أنه إنما دعا به يوم أتى بإسماعيل وأمه إلى أرض مكة وكانت أرضا قفراء لا أنيس بها ولا نبت.

ولا حاجة إلى دفعه بأنه كان يعلم بما علمه الله أنه سيبني هناك بيتا لله أو بأن البيت كان قبل ذلك وإنما خربه بعض الطوائف أو رفعه الله إلى السماء في الطوفان وليت شعري إذا اندفع بهما هذا الإشكال فكيف يندفع بهما ما يتوجه من الإشكال على هذا التقدير إلى ظاهر قوله رب اجعل هذا البلد آمنا وظاهر قوله:"وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق".

وقوله:"ربنا ليقيموا الصلاة"بيان لغرضه من إسكانهم هناك ، وهو بانضمام ما تقدم من قوله:"بواد غير ذي زرع"وما يعقبه من قوله:"فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات"يفيد أنه (عليه السلام) إنما اختار واديا غير ذي زرع أعزل من أمتعة الحياة من ماء عذب ونبات ذي خضرة وشجر ذي بهجة وهواء معتدل خاليا من السكنة ليتمحضوا في عبادة الله من غير أن يشغلهم شواغل الدنيا.

وقوله:"فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم"إلخ من الهوي بمعنى السقوط أي تحن وتميل إليهم بالمساكنة معهم أو بالحج إلى البيت فيأنسوا بهم ، وارزقهم من الثمرات ، بالنقل إليهم تجارة لعلهم يشكرون.

قوله تعالى:"ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن"إلى آخر الآية معناه ظاهر ، وقوله:"و ما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء"من تمام كلام إبراهيم (عليه السلام) أو من كلامه تعالى ، وعلى الأول ففي قوله:"على الله"التفات وجهه الإشارة إلى علة الحكم كأنه قيل: إنك تعلم ما نخفي وما نعلن لأنك الله الذي ما يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا يبعد أن يستفاد من هذا التعليل أن المراد بالسماء ما هو خفي علينا غائب عن حسنا والأرض بخلافه فافهم ذلك.

قوله تعالى:"الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء"كالجملة المعترضة بين فقرات دعائه دعاه إلى إيراده تذكره في ضمن ما أورده من الأدعية عظيم نعمة الله عليه إذ وهب له ولدين صالحين مثلهما بعد ما انقطع عنه الأسباب العادية المؤدية إلى ظهور النسل ، وأنه إنما وهبهما له باستجابة دعائه للولد فحمد الله على ما وهبهما وأثنى عليه على استجابة دعائه في ذلك.

قوله تعالى:"رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء الكلام"في استناد إقامته الصلاة إلى الله سبحانه نظير الكلام في استناد إجنابه أن يعبد الأصنام فإن لإقامة الصلاة نسبة إليه تعالى بالإذن والمشية كما أن لها نسبة إلى العبد بالتصدي والعمل وقد مر الكلام فيه.

وهذه الفقرة ثاني دعاء يشترك فيه هو (عليه السلام) وذريته ويعقب في الحقيقة قوله أولا:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام"كما يلحق به دعاؤه الثالث المشترك فيه:"ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين".

وقد أفرد نفسه في جميع الفقرات الثلاث عن غيره إذ قال:"و اجنبني""و اجعلني مقيم الصلاة""اغفر لي"لأن مطلوبه لحوق ذريته به كما قال في موضع آخر:"و اجعل لي لسان صدق في الآخرين": الشعراء: 84 وفي موضع آخر كما حكاه الله بقوله:"و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي": البقرة: 124.

وأما قوله في الفقرة الأولى"و اجنبني وبني"وهاهنا"اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي"فقد تقدم أن المراد ببنيه بعضهم لا جميعهم فتتطابق الفقرتان.

ومن تطابق الفقرتين أنه أكد دعاءه في هذه الفقرة بقوله:"ربنا وتقبل دعاء"فإن سؤال تقبل الدعاء إلحاح وإصرار وتأكيد كما أن التعليل في الفقرة الأولى ، بقوله:"رب إنهن أضللن كثيرا من الناس"تأكيد في الحقيقة لما فيها من الدعاء ، بقوله:"و اجنبني"إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت