فهرس الكتاب

الصفحة 2446 من 4314

و الثانية: أن الإنذار الأول إنذار بعذاب قطعي لا صارف له عن أمة ظالمة ولا فرد ظالم من أمة وأما الإنذار الثاني فهو إنذار بعذاب غير مصروف عن أمة ظالمة وأما الفرد فربما صرف عنه ، ولذلك ترى أنه تعالى يقول أولا:"و أنذر الناس"ثم يقول:"فيقول الذين ظلموا"إلخ ولم يقل: فيقولون أي الناس لأن عذاب الاستئصال لا يصيب المؤمنين قال تعالى:"ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين": يونس: 103 وإنما يصيب الأمة الظالمة بحلول أجلهم وهم طائفة من ظالمي الأمة لا جميع أفرادها.

وبالجملة فقوله:"و أنذر الناس يوم يأتيهم العذاب"إنذار للناس بعذاب الاستئصال الذي يقطع دابر الظالمين منهم ، وقد تقدم في تفسير سورة يونس وغيره أن ذلك مكتوب على الأمم قضاء بينهم وبين رسولهم حتى هذه الأمة المحمدية وقد تكرر هذا الوعيد منه تعالى في عدة مواضع من كلامه.

وهذا هو اليوم الذي يطهر الله الأرض فيه من قذارة الشرك والظلم ولا يعبد عليها يومئذ إلا الله سبحانه فإن الدعوة عامة والأمة هم أهل الأرض فإذا محا الله عنهم الشرك لم يبق منهم إلا المؤمنون ويكون الدين كله لله ، قال تعالى:"و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون".

ومما تقدم يظهر الجواب عما أورد على كون المراد بالعذاب في الآية عذاب الاستئصال أن القصر في الآية السابقة ينافيه فإن قوله:"إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار"يقصر أخذهم وعقابهم في يوم القيامة.

وذلك لما عرفت أن العذاب المنذر به في الآيتين السابقتين هو العذاب الذي لا يصرفه عنهم صارف ولا يتخلف عنه أحد من الظالمين وهو مقصور في عذاب يوم القيامة ، ولا ينافي انحصاره في يوم القيامة وجود نوع آخر من العذاب في الدنيا.

على أن القصر لو تم على ما يريده المعترض لدفع ما يدل عليه الآيات الكثيرة الدالة على نزول العذاب بهذه الأمة كما أشرنا إليه.

على أن حمل العذاب في الآية على عذاب يوم القيامة يوجب صرف الآيات عن ظهورها ورفع اليد عما يعطيه السياق فيها ولا مساغ له.

وقوله:"فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل"المراد به الظالمون من الناس وهم الذين يأخذهم العذاب المستأصل ولا يتخطاهم ، ومرادهم بقولهم:"أخرنا إلى أجل قريب"الاستمهال بمدة قصيرة تضاف إلى عمرهم في الدنيا حتى يتداركوا فيه ما فوتوه بظلمهم والدليل عليه قولهم:"نجب دعوتك ونتبع الرسل".

والتعبير بالرسل بلفظ الجمع في قولهم:"و نتبع الرسل مع أن الآية تصف حال ظالمي هذه الأمة ظاهرا وكان مقتضى ذلك أن يقال: ونتبع الرسول إنما هو للدلالة على أن الملاك في نزول هذا العذاب القضاء بين الرسالة وبين منكريها من غير اختصاص ذلك برسول دون رسول كما يفيده قوله:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: 47."

وقوله:"أ ولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال"الإقسام تعليق الحكم في الكلام بأمر شريف من جهة شرافته ليدل به على صدقه إذ لو كذب المتكلم وقد أقسم في كلامه لأذهب بذلك شرف المقسم به كقولنا: والله إن كذا لكذا ولعمري إن الأمر على كذا ، ويعد القسم أقوى أسباب التأكيد.

ولا يبعد أن يكون الإقسام في الآية كناية عن إيراد الكلام في صورة جازمة غير قابلة للترديد.

والكلام على تقدير القول والمعنى يقال لهم توبيخا وتبكيتا: أ لم تكونوا أقسمتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال وأنكم بما عندكم من القوة والسطوة ووسائل الدفاع أمة خالدة مسيطرة على الحوادث فما لكم تستمهلون إلى أجل قريب.

قوله تعالى:"و سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم"إلى آخر الآية معطوف على محل قوله:"أقسمتم"في الآية السابقة ، والمعنى: أ ولم تكونوا سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم من الأمم السابقة ، وظهر لكم أن هذه الدعوة حقة ويتعقبها لو ردت عذاب مستأصل ، من جهتين: جهة المشاهدة حيث تبين لكم كيف فعلنا بأولئك الظالمين الذين سكنتم في مساكنهم؟ وجهة البيان حيث ضربنا لكم الأمثال وأنذرناكم عذابا مستأصلا يتعقبه إنكار الحق ورد الدعوة النبوية ويقطع دابر الظالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت