فهرس الكتاب

الصفحة 2447 من 4314

قوله تعالى:"و قد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال"حال من الضمير في"فعلنا"في الآية السابقة أو من الضمير في"بهم"فيها أو من الضميرين جميعا على ما قيل ، وضمائر الجمع راجعة إلى"الذين ظلموا".

والمراد بكون مكرهم عند الله إحاطته تعالى به بعلمه وقدرته ، ومن المعلوم أن المكر إنما يكون مكرا إذا لم يحط به الممكور به وجهله ، وأما إذا كان الممكور به عالما بما هيأه الماكر من المكر وقادرا على دفعه لغا المكر أو عاد مكرا على نفس الماكر كما قال تعالى:"و ما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون": الأنعام: 123.

وقوله:"و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال"إن وصلية - على ما قيل - واللام في"لتزول"متعلق بمقدر يدل عليه لفظ المكر كقولنا يقتضي أو يوجب وما أشبه ذلك ، والتقدير: الله محيط بمكرهم عالم به قادر على دفعه إن كان مكرهم دون هذه الشدة وإن كان على هذه الشدة.

والمعنى تبين لكم كيف فعلنا بهم والحال أنهم مكروا ما في وسعهم من المكر والله محيط بمكرهم وإن كان مكرهم عظيما موجبا لزوال الجبال.

وربما قيل: إن"إن"نافية واللام هي الداخلة على المنفي والمراد بالجبال الآيات والمعجزات كناية والمعنى وما كان مكرهم لتبطل به آيات الله ومعجزاته التي هي كالجبال الراسيات التي لا تزول عن مكانها ، وأيد هذا المعنى بقراءة ابن مسعود"و ما كان مكرهم"وهو معنى بعيد.

وقرىء أيضا:"لتزول"بفتح اللام الأولى وضم اللام الثانية ، وعلى هذا تكون"إن"مخففة من المشددة والمعنى والتحقيق أن مكرهم كان من العظمة بحيث تزول منه الجبال.

قوله تعالى:"فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام"تفريع على ما تقدم أن ترك مؤاخذة الظالمين بعملهم إنما هو لتأخيرهم إلى يوم القيامة أي إذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن الله مخلفا لما وعد رسله من نصرهم ومؤاخذة المتخلفين عن دعوتهم ، وكيف يخلف وعده وهو عزيز ذو انتقام شديد ولازم عزته المطلقة أن لا يخلف وعده فإن إخلاف الوعد إما لكون الواعد غير قادر على إنجاز ما وعده أو لتغير من الرأي بعروض حال ثانية تقهره على خلاف ما بعثته إليه الحال الأولى التي أوجبت عليه الوعد والله سبحانه عزيز على الإطلاق لا يتصف بعجز ولا تقهره حال ولا شيء آخر وهو الواحد القهار.

ولازم اتصافه بالانتقام أن ينتقم للحق ممن استكبر عنه واستعلى عليه وينتصف للمظلوم من الظالم.

وذو انتقام من أسمائه تعالى الحسنى التي سمى الله تعالى بها نفسه في مواضع من كلامه وقارنه في جميعها باسمه العزيز ، قال تعالى:"و الله عزيز ذو انتقام": آل عمران: 4 ، المائدة: 95 ، وقال:"أ ليس الله بعزيز ذو انتقام": الزمر: 37 ، وقال في الآية المبحوث عنها:"إن الله عزيز ذو انتقام"ومن ذلك يظهر أن"ذا انتقام"من فروع اسم"العزيز."

كلام في معنى الانتقام ونسبته إليه تعالى

الانتقام هو العقوبة لكن لا كل عقوبة بل عقوبة خاصة وهي أن تذيق غيرك من الشر ما يعادل ما أذاقك منه أو تزيد عليه قال تعالى:"و من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله".

وهو أصل حيوي معمول به عند الإنسان وربما يشاهد من بعض الحيوان أيضا أعمال يشبه أن تكون منه ، وأيا ما كان يختلف الغرض الذي يبعث الإنسان إليه فالداعي إليه في الانتقام الفردي هو التشفي غالبا فإذا سلب الواحد من الإنسان غيره شيئا من الخير أو أذاقه شيئا من الشر وجد الذي فعل به ذلك في نفسه من الأسى والأسف ما لا تسكن فورته ولا تخمد ناره إلا بأن يذيقه من الشر ما يعادل ما ذاق منه أو يزيد عليه فالعامل الذي يدعو إليه هو الإحساس الباطني وأما العقل فربما أجازه وأنفذه وربما استنكف.

والانتقام الاجتماعي ونعني به القصاصات وأنواع المؤاخذات التي نعثر عليها في السنن والقوانين الدائرة في المجتمعات أعم من الراقية والهمجية الغالب فيه أن يكون الغرض الداعي إليه غاية فكرية ومطلوبا عقليا وهو حفظ النظام عن الاختلال وسد طريق الهرج والمرج فلو لا أصل الانتقام ومؤاخذة المجرم الجاني بما أجرم وجنى اختل الأمن العام وارتحل السلام من بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت