فهرس الكتاب

الصفحة 2463 من 4314

و ليت شعري هل يسعنا أن ندعي أن ذاك الجم الغفير من الآيات التي يرون سقوطها وربما ادعوا أنها تبلغ الألوف كانت جميعا في الولاية أو كانت خفية مستورة عن عامة المسلمين لا يعرفها إلا النزر القليل منهم مع توفر دواعيهم وكثرة رغباتهم على أخذ القرآن كلما نزل وتعلمه وبلوغ اجتهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تبليغه وإرساله إلى الآفاق وتعليمه وبيانه ، وقد نص على ذلك القرآن قال تعالى:"و يعلمهم الكتاب والحكمة": الجمعة: 2 ، وقال:"لتبين للناس ما نزل إليهم": النحل: 44 فكيف ضاع؟ وأين ذهب؟ ما يشير إليه بعض المراسيل أنه سقط في آية من أول سورة النساء بين قوله:"و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى"وقوله:"فانكحوا ما طاب لكم من النساء"أكثر من ثلث القرآن أي أكثر من ألفي آية ، وما ورد من طرق أهل السنة أن سورة براءة كانت مبسملة تعدل سورة البقرة ، وأن الأحزاب كانت أعظم من البقرة وقد سقطت منه مائتا آية إلى غير ذلك!.

أو أن هذه الآيات - وقد دلت هذه الروايات على بلوغها في الكثرة - كانت منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من المفسرين من أهل السنة حفظا لما ورد في بعض رواياتهم أن من القرآن ما أنساه الله ونسخ تلاوته.

فما معنى إنساء الآية ونسخ تلاوتها؟ أ كان ذلك لنسخ العمل بها فما هي هذه الآيات المنسوخة الواقعة في القرآن كآية الصدقة وآية نكاح الزانية والزاني وآية العدة وغيرها؟ وهم مع ذلك يقسمون منسوخ التلاوة إلى منسوخ التلاوة والعمل معا ومنسوخ التلاوة دون العمل كآية الرجم.

أم كان ذلك لكونها غير واجدة لبعض صفات كلام الله حتى أبطلها الله بإمحاء ذكرها وإذهاب أثرها فلم يكن من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولا منزها من الاختلاف ، ولا قولا فصلا ولا هاديا إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، ولا معجزا يتحدى به ولا ، ولا ، فما معنى الآيات الكثيرة التي تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ ، وأنه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه قول فصل ، وأنه هدى ، وأنه نور ، وأنه فرقان بين الحق والباطل ، وأنه آية معجزة ، وأنه ، وأنه؟.

فهل يسعنا أن نقول: إن هذه الآيات على كثرتها وإباء سياقها عن التقييد مقيدة بالبعض فبعض الكتاب فقط وهو غير المنسي ومنسوخ التلاوة لا يأتيه الباطل وقول فصل وهدى ونور وفرقان ومعجزة خالدة؟.

وهل جعل الكلام منسوخ التلاوة ونسيا منسيا غير إبطاله وإماتته؟ وهل صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للأبد ولا يصلح شأنا مما فسد غير إلغائه وطرحه وإهماله؟ وكيف يجامع ذلك كون القرآن ذكرا؟.

فالحق أن روايات التحريف المروية من طرق الفريقين وكذا الروايات المروية في نسخ تلاوة بعض الآيات القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية.

والجواب عن الوجه الرابع: أن أصل الأخبار القاضية بمماثلة الحوادث الواقعة في هذه الأمة لما وقع في بني إسرائيل مما لا ريب فيه ، وهي متظافرة أو متواترة ، لكن هذه الروايات لا تدل على المماثلة من جميع الجهات ، وهو ظاهر بل الضرورة تدفعه.

فالمراد بالمماثلة هي المماثلة في الجملة من حيث النتائج والآثار ، وحينئذ فمن الجائز أن تكون مماثلة هذه الأمة لبني إسرائيل في مسألة تحريف الكتاب إنما هي في حدوث الاختلاف والتفرق بين الأمة بانشعابها إلى مذاهب شتى يكفر بعضهم بعضا وافتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين واليهود إلى واحدة وسبعين وقد ورد هذا المعنى في كثير من هذه الروايات حتى ادعى بعضهم كونها متواترة.

ومن المعلوم أن الجميع مستندون فيما اختاروه إلى كتاب الله ، وليس ذلك إلا من جهة تحريف الكلم عن مواضعه ، وتفسير القرآن الكريم بالرأي ، والاعتماد على الأخبار الواردة في تفسير الآيات من غير العرض على الكتاب وتمييز الصحيح منها من السقيم.

وبالجملة أصل الروايات الدالة على المماثلة بين الأمتين لا يدل على شيء من التحريف الذي يدعونه نعم وقع في بعضها ذكر التحريف بالتغيير والإسقاط ، وهذه الطائفة على ما بها من السقم مخالفة للكتاب كما تقدم.

الفصل 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت