على أنه سيأتي إن شاء الله الكلام في معنى كتابة القرآن في اللوح المحفوظ ونزوله إلى السماء الدنيا في ذيل ما يناسب ذلك من الآيات كأول سورتي الزخرف والدخان وسورة القدر.
وأما قولهم: إنه قد حصل اليقين بالنقل المتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الترتيب الموجود في المصاحف فقد عرفت أنه دعوى خالية عن الدليل وأن هذا التواتر لا خبر عنه بالنسبة إلى كل آية آية كيف وقد تكاثرت الروايات أن ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوذتين وكان يقول إنهما ليستا من القرآن وإنما نزل بهما جبريل تعويذا للحسنين ، وكان يحكهما عن المصاحف ، ولم ينقل عنه أنه رجع عن قوله فكيف خفي عليه هذا التواتر طول حياته بعد الجمع الأول.
الفصل 7
يتعلق بالبحث السابق البحث في روايات الإنساء - وقد مرت إشارة إجمالية إليها - وهي عدة روايات وردت من طرق أهل السنة في نسخ القرآن وإنسائه حملوا عليها ما ورد من روايات التحريف سقوطا وتغييرا.
فمنها ما في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي بالليل وينساه بالنهار فأنزل الله:"ما ننسخ من آية أو ننسها - نأت بخير منها أو مثلها".
وفيه ، عن أبي داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أبي أمامة: أن رهطا من الأنصار من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبروه أن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شيء إلا بسم الله الرحمن الرحيم ووقع ذلك لناس من أصحابه فأصبحوا فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن السورة فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ثم قال: نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه.
أقول: والقصة مروية بعدة طرق في ألفاظ متقاربة مضمونا.
وفيه ، عن عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبي داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص: أنه قرأ:"ما ننسخ من آية أو ننسأها"فقيل له: إن سعيد بن المسيب يقرأ"ننسها"فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب قال الله:"سنقرئك فلا تنسى""و اذكر ربك إذا نسيت".
أقول: يريد بالتمسك بالآيتين أن الله رفع النسيان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيتعين أن يقرأ"ننسأها"من النسيء بمعنى الترك والتأخير فيكون المراد بقوله:"ما ننسخ من آية"إزالة الآية عن العمل دون التلاوة كآية صدقة النجوى ، وبقوله:"أو ننسأها"ترك الآية ورفعها من عندهم بالمرة وإزالتها عن العمل والتلاوة كما روي تفسيرها بذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
وفيه ، أخرج ابن الأنباري عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون أول؟ قلنا: قراءة عبد الله وقراءتنا هي الأخيرة. فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان وأنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين فشهد منه عبد الله ما نسخ ما بدل.
أقول: وهذا المعنى مروي بطرق أخرى عن ابن عباس وعبد الله بن مسعود نفسه وغيرهما من الصحابة والتابعين وهناك روايات أخر في الإنساء.
ومحصل ما استفيد منها أن النسخ قد يكون في الحكم كالآيات المنسوخة المثبتة في المصحف ، وقد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها وقد تقدم في تفسير قوله:"ما ننسخ من آية": البقرة: 106 وسيأتي في قوله:"و إذا بدلنا آية مكان آية": النحل: 101 أن الآيتين أجنبيتان عن الإنساء بمعنى نسخ التلاوة ، وتقدم أيضا في الفصول السابقة أن هذه الروايات مخالفة لصريح الكتاب فالوجه عطفها على روايات التحريف وطرح القبيلين جميعا.