فهرس الكتاب

الصفحة 2470 من 4314

على أنه لو حمل كلام أنس على خلاف ظاهره كان من الواجب أن يحمل على أن هؤلاء الأربعة إنما جمعوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معظم القرآن وأكثر سورة وآياته لا على أنهم وغيرهم من الصحابة جمعوا جميع القرآن على ما في المصحف العثماني وحفظوا ترتيب سوره وآياته وضبطوا موضع كل واحدة واحدة منها عن آخرها فهذا زيد بن ثابت نفسه - وهو أحد الأربعة المذكورين في حديث أنس والمتصدي للجمع الأول والثاني كليهما - يصرح في رواياته أنه لم يحفظ جميع الآيات.

ونظيره ما في الإتقان ، عن ابن أشتة في المصاحف بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: مات أبو بكر ولم يجمع القرآن وقتل عمر ولم يجمع القرآن.

وأما قوله: سلمناه ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك فمقلوب على نفسه فمن أين لهذا القائل أن الواقع في نفس الأمر كما يدعيه وقد عرفت الشواهد على خلاف ما يدعيه؟.

وأما قوله: إنه يكفي في تحقق التواتر أن يحفظ الكل كل القرآن على سبيل التوزيع فمغالطة واضحة لأنه إنما يفيد كون مجموع القرآن من حيث المجموع منقولا بالتواتر وأما كون كل واحدة واحدة من الآيات القرآنية محفوظة من حيث محلها وموضعها بالتواتر فلا وهو ظاهر.

ونقل في الإتقان ، عن البغوي أنه قال في شرح السنة: الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير أن قدموا شيئا أو أخروه أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا. فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة انتهى.

ونقل عن ابن الحصار أنه قال: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا ، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف انتهى: ونقل أيضا ما يقرب من ذلك عن جماعة غيرهم كالبيهقي والطيبي وابن حجر.

أما قولهم: إن الصحابة إنما كتبوا المصحف على الترتيب الذي أخذوه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير أن يخالفوه في شيء فمما لا يدل عليه شيء من الروايات المتقدمة ، وإنما المسلم من دلالتها أنهم إنما أثبتوا ما قامت عليه البينة من متن الآيات ولا إشارة في ذلك إلى كيفية ترتيب الآيات النازلة مفرقة وهو ظاهر نعم في رواية ابن عباس المتقدمة عن عثمان ما يشير إلى ذلك غير أن الذي فيه أنه كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بعض كتاب الوحي بذلك وهو غير إعلامه جميع الصحابة ذلك على أن الرواية معارضة بروايات الجمع الأول وأخبار نزول بسم الله وغيرها.

وأما قولهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقن الصحابة هذا الترتيب الموجود في مصاحفنا بتوقيف من جبريل ووحي سماوي فكأنه إشارة إلى حديث عثمان بن أبي العاص المتقدم في آية"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"وقد عرفت مما تقدم أنه حديث واحد في خصوص موضع آية واحدة ، وأين ذلك من مواضع جميع الآيات المفرقة.

وأما قولهم: إن القرآن مكتوب على هذا الترتيب في اللوح المحفوظ أنزله الله إلى السماء الدنيا ثم أنزله الله مفرقا عند الحاجة إلخ ، فإشارة إلى ما روي مستفيضا من طرق الشيعة وأهل السنة من نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزوله منها نجوما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن الروايات ليس فيها أدنى دلالة على كون القرآن مكتوبا في اللوح المحفوظ منظما في السماء الدنيا على الترتيب الموجود في المصحف الذي عندنا وهو ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت