فهرس الكتاب

الصفحة 2469 من 4314

و أيضا عن الحاكم من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت ، إسناده على شرط الشيخين.

وأيضا عنه من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة ، إسناده صحيح.

أقول: وروي ما يقرب من ذلك في عدة روايات أخر وروي ذلك من طرق الشيعة عن الباقر (عليه السلام) .

والروايات - كما ترى - صريحة في دلالتها على أن الآيات كانت مرتبة عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب ترتيب النزول فكانت المكيات في السورة المكية والمدنيات في سورة مدنية اللهم إلا أن يفرض سورة نزل بعضها بمكة وبعضها بالمدينة ، ولا يتحقق هذا الفرض إلا في سورة واحدة.

ولازم ذلك أن يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الآيات مستندا إلى اجتهاد من الصحابة.

توضيح ذلك أن هناك ما لا يحصى من روايات أسباب النزول يدل على كون آيات كثيرة في السور المدنية نازلة بمكة وبالعكس وعلى كون آيات من القرآن نازلة مثلا في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي واقعة في سور نازلة في أوائل الهجرة وقد نزلت بين الوقتين سور أخرى كثيرة ، وذلك كسورة البقرة التي نزلت في السنة الأولى من الهجرة وفيها آيات الربا وقد وردت الروايات على أنها من آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ورد عن عمر أنه قال: مات رسول الله ولم يبين لنا آيات الربا ، وفيها قوله تعالى:"و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله"الآية: البقرة: 281 ، وقد ورد أنها آخر ما نزل من القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فهذه الآيات النازلة مفرقة الموضوعة في سور لا تجانسها في المكية والمدنية موضوعة في غير موضعها بحسب ترتيب النزول وليس إلا عن اجتهاد من الصحابة.

ويؤيد ذلك ما في الإتقان ، عن ابن حجر: وقد ورد عن علي أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجه ابن أبي داود وهو من مسلمات مداليل روايات الشيعة.

هذا ما يدل عليه ظاهر روايات الباب المتقدمة لكن الجمهور أصروا على أن ترتيب الآيات توقيفي فآيات المصحف الدائر اليوم وهو المصحف العثماني مرتبة على ما رتبها عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإشارة من جبريل ، وأولوا ظاهر الروايات بأن جمع الصحابة لم يكن جمع ترتيب وإنما كان جمعا لما كانوا يعلمونه ويحفظونه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السور وآياتها المرتبة ، بين دفتين وفي مكان واحد.

وأنت خبير بأن كيفية الجمع الأول الذي تدل عليها الروايات تدفع هذه الدعوى دفعا صريحا.

وربما استدل عليه بما ادعاه بعضهم من الإجماع على ذلك فقد نقل السيوطي في الإتقان عن الزركشي دعوى الإجماع عليه وعن أبي جعفر بن الزبير نفي الخلاف فيه بين المسلمين ، وهو إجماع منقول لا يعتمد عليه بعد وجود الخلاف في أصل التحريف ودلالة ما تقدم من الروايات على خلافه.

وربما استدل عليه بالتواتر ويوجد ذلك في كلام كثير منهم ادعوا تواتر الترتيب الموجود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عجيب وقد نقل في الإتقان ، بعد نقله ما رواه البخاري وغيره بعدة طرق عن أنس أنه قال: مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجمع القرآن غير أربعة. أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ، وفي رواية:"أبي بن كعب"بدل أبي الدرداء - عن المازري أنه قال: وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه فإنا لا نسلم حمله على ظاهره سلمنا ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى ، انتهى.

أما دعواه أن ظاهر كلام أنس غير مراد فهو مما لا يصغى إليه في الأبحاث اللفظية المبنية على ظاهر اللفظ إلا بقرينة من نفس كلام المتكلم أو ما ينوب منابه أما مجرد الدعوى والاستناد إلى قول آخرين فلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت