فهرس الكتاب

الصفحة 2468 من 4314

و التعويل في ذلك على ما قدمناه من الحجة في أول هذه الأبحاث أن القرآن الذي بأيدينا واجد للصفات الكريمة التي وصف الله سبحانه بها القرآن الواقعي الذي أنزله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ككونه قولا فصلا ورافعا للاختلاف وذكرا وهاديا ونورا ومبينا للمعارف الحقيقية والشرائع الفطرية وآية معجزة إلى غير ذلك من صفاته الكريمة.

ومن الحري أن نعول على هذا الوجه فإن حجة القرآن على كونه كلام الله المنزل على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي نفسه المتصفة بهاتيك الصفات الكريمة من غير أن يتوقف في ذلك على أمر آخر وراء نفسه كائنا ما كان فحجته معه أينما تحقق وبيد من كان ومن أي طريق وصل.

وبعبارة أخرى لا يتوقف القرآن النازل من عند الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كونه متصفا بصفاته الكريمة على ثبوت استناده إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنقل متواتر أو متظافر - وإن كان واجدا لذلك - بل الأمر بالعكس فاتصافه بصفاته الكريمة هو الحجة على الاستناد فليس كالكتب والرسائل المنسوبة إلى المصنفين والكتاب ، والأقاويل المأثورة عن العلماء وأصحاب الأنظار المتوقفة صحة استنادها إلى نقل قطعي وبلوغ متواتر أو مستفيض مثلا بل نفس ذاته هي الحجة على ثبوته.

وثانيا: أن ترتيب السور إنما هو من الصحابة في الجمع الأول والثاني ومن الدليل عليه ما تقدم في الروايات من وضع عثمان الأنفال وبراءة بين الأعراف ويونس وقد كانتا في الجمع الأول متأخرتين.

ومن الدليل عليه ما ورد من مغايرة ترتيب مصاحف سائر الصحابة للجمع الأول والثاني كليهما كما روي أن مصحف علي (عليه السلام) كان مرتبا على ترتيب النزول فكان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني نقله في الإتقان عن ابن فارس ، وفي تاريخ اليعقوبي ترتيب آخر لمصحفه (عليه السلام) .

ونقل عن ابن أشتة في المصاحف بإسناده عن أبي جعفر الكوفي ترتيب مصحف أبي وهو يغاير المصحف الدائر مغايرة شديدة ، وكذا عنه فيه بإسناده عن جرير بن عبد الحميد ترتيب مصحف عبد الله بن مسعود آخذا من الطوال ثم المئين ثم المثاني ثم المفصل وهو أيضا مغاير للمصحف الدائر.

وقد ذهب كثير منهم إلى أن ترتيب السور توقيفي وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أمر بهذا الترتيب بإشارة من جبريل بأمر من الله سبحانه حتى أفرط بعضهم فادعى ثبوت ذلك بالتواتر وليت شعري أين هذا التواتر وقد تقدمت عمدة روايات الباب ولا أثر فيها من هذا المعنى ، وسيأتي استدلال بعضهم على ذلك بما ورد من نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ثم منها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدريجا.

وثالثا: أن وقوع بعض الآيات القرآنية التي نزلت متفرقة موقعها الذي هي فيه الآن لم يخل عن مداخلة من الصحابة بالاجتهاد كما هو ظاهر روايات الجمع الأول وقد تقدمت.

وأما رواية عثمان بن أبي العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"الآية فلا تدل على أزيد من فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض الآيات في الجملة لا بالجملة ، وعلى تقدير التسليم لا دلالة لما بأيدينا من الروايات المتقدمة على مطابقة ترتيب الصحابة ترتيبه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومجرد حسن الظن بهم لا يسمح للروايات بدلالة تدل بها على ذلك وإنما يفيد أنهم ما كانوا ليعمدوا إلى مخالفة ترتيبه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما علموه لا فيما جهلوه."

وفي روايات الجمع الأول المتقدمة أوضح الشواهد على أنهم ما كانوا على علم بمواضع جميع الآيات ولا بنفسها.

ويدل على ذلك الروايات المستفيضة التي وردت من طرق الشيعة وأهل السنة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين إنما كانوا يعلمون تمام السورة بنزول البسملة كما رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والبزار من طريق سعيد بن جبير على ما في الإتقان ، عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعرف فضل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم زاد البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدأت سورة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت