الروايات الموضوعة في الفصلين السابقين هي أشهر الروايات الواردة في باب جمع القرآن وتأليفه بين صحيحة وسقيمة ، وهي تدل على أن الجمع الأول كان جمعا لشتات السور المكتوبة في العسب واللخاف والأكتاف والجلود والرقاع وإلحاق الآيات النازلة متفرقة إلى سور تناسبها.
وإن الجمع الثاني وهو الجمع العثماني كان رد المصاحف المنتشرة عن الجمع الأول بعد عروض تعارض النسخ واختلاف القراءات عليها إلى مصحف واحد مجمع عليه عدا ما كان من قول زيد إنه ألحق قوله:"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"الآية ، في سورة الأحزاب في المصحف فقد كانت المصاحف تتلى خمس عشرة سنة وليست فيها الآية.
وقد روى البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان"و الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا"قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه.
والذي يعطيه النظر الحر في أمر هذه الروايات ودلالتها - وهي عمدة ما في هذا الباب - أنها آحاد غير متواترة لكنها محفوفة بقرائن قطعية فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبلغ الناس ما نزل إليه من ربه من غير أن يكتم منه شيئا ، وكان يعلمهم ويبين لهم ما نزل إليهم من ربهم على ما نص عليه القرآن ، ولم يزل جماعة منهم يعلمون ويتعلمون القرآن تعلم تلاوة وبيان وهم القراء الذين قتل جم غفير منهم في غزوة اليمامة.
وكان الناس على رغبة شديدة في أخذ القرآن وتعاطيه ولم يترك هذا الشأن ولا ارتفع القرآن من بينهم ولا يوما أو بعض يوم حتى جمع القرآن في مصحف واحد ثم أجمع عليه فلم يبتل القرآن بما ابتليت به التوراة والإنجيل وكتب سائر الأنبياء.
أضف إلى ذلك روايات لا تحصى كثرة وردت من طرق الشيعة وأهل السنة في قراءاته (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا من السور القرآنية في الفرائض اليومية وغيرها بمسمع من ملإ الناس ، وقد سمي في هذه الروايات جم غفير من السور القرآنية مكيتها ومدنيتها.
أضف إلى ذلك ما تقدم في رواية عثمان بن أبي العاص: في تفسير قوله تعالى:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"الآية: النحل: 90 من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن جبريل أتاني بهذه الآية وأمرني أن أضعها في موضعها من السورة ، ونظير الرواية في الدلالة ما دل على قراءته (صلى الله عليه وآله وسلم) لبعض السور النازلة نجوما كآل عمران والنساء وغيرها فيدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر كتاب الوحي بإلحاق بعض الآيات في موضعها.
وأعظم الشواهد القاطعة ما تقدم في أول هذه الأبحاث أن القرآن الموجود بأيدينا واجد لما وصفه الله تعالى من الأوصاف الكريمة.
وبالجملة الذي تدل عليه هذه الروايات هي: أولا: أن الموجود فيما بين الدفتين من القرآن هو كلام الله تعالى فلم يزد فيه شيء ولم يتغير منه شيء وأما النقص فإنها لا تفي بنفيه نفيا قطعيا كما روي بعدة طرق أن عمر كان يذكر كثيرا آية الرجم ولم تكتب عنه وأما حملهم الرواية وسائر ما ورد في التحريف - وقد ذكر الآلوسي في تفسيره أنها فوق حد الإحصاء - على منسوخ التلاوة فقد عرفت فساده وتحققت أن إثبات منسوخ التلاوة أشنع من إثبات أصل التحريف.
على أن من كان له مصحف غير ما جمعه زيد أولا بأمر من أبي بكر وثانيا بأمر من عثمان كعلي (عليه السلام) وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود لم ينكر شيئا مما حواه المصحف الدائر غير ما نقل عن ابن مسعود أنه لم يكتب في مصحفه المعوذتين وكان يقول: إنهما عوذتان نزل بهما جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعوذ بهما الحسنين (عليهما السلام) ، وقد رده سائر الصحابة وتواترت النصوص من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على أنهما سورتان من القرآن.
وبالجملة الروايات السابقة - كما ترى - آحاد محفوفة بالقرائن القطعية نافية للتحريف بالزيادة والتغيير قطعا دون النقص إلا ظنا ، ودعوى بعضهم التواتر من حيث الجهات الثلاث لا مستند لها.