و ربما يكنى به عن كون الشيء بحيث لا يزيد ولا ينقص عما يقتضيه الطبع أو الحكمة كما يقال: كلامه موزون وقامته موزونة وأفعاله موزونة أي مستحسنة متناسبة الأجزاء لا تزيد ولا تنقص مما يقتضيه الطبع أو الحكمة.
وبالنظر إلى اختلاف اعتباراته المذكورة ذكر بعضهم أن المراد به إخراج كل ما يوزن من المعدنيات كالذهب والفضة وسائر الفلزات ، وقال بعضهم: إنه إنبات النباتات على ما لكل نوع منها من النظام البديع الموزون ، وقيل: إنه خلق كل أمر مقدر معلوم.
والذي يجب التنبه له التعبير بقوله:"من كل شيء موزون"دون أن يقال: من كل نبات موزون فهو يشمل غير النبات مما يظهر وينمو في الأرض كما أنه يشمل النبات لمكان قوله:"و أنبتنا"دون أن يقال: أخرجنا أو خلقنا وقد جيء بمن وظاهرها التبعيض فالمراد - والله أعلم - إنبات كل أمر موزون ذي ثقل مادي يمكن أن يزيد وينقص من الأجسام النباتية والأرضية ، ولا مانع على هذا من أخذ الموزون بكل من معنييه الحقيقي والكنائي.
والمعنى: والأرض بسطناها وطرحنا فيها جبالا ثابتة لتسكنها من الميد وأنبتنا فيها من كل شيء موزون - ثقيل واقع تحت الجاذبة أو متناسب - مقدارا تقتضيه الحكمة.
قوله تعالى:"و جعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين"المعايش جمع معيشة وهي ما به يعيش الحيوان ويديم حياته من المأكول والمشروب وغيرهما ويأتي مصدرا كالعيش والمعاش.
وقوله:"و من لستم له برازقين"معطوف على الضمير المجرور في"لكم"على ما ذهب إليه من النحاة الكوفيون ويونس والأخفش من جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ، وأما على قول غيرهم فربما يعطف على معايش والتقدير وجعلنا لكم من لستم له برازقين كالعبيد والحيوان الأهلي ، وربما جعل"من"مبتدأ محذوف الخبر والتقدير: ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش وهذا كله تكلف ظاهر.
وكيف كان ، المراد بمن العبيد والدواب - على ما قيل - أتي بلفظة من وهي لأولي العقل تغليبا هذا ، وليس من البعيد أن يكون المراد به كل ما عدا الإنسان من الحيوان والنبات وغيرهما فإنها تسأل الرزق كما يسأله العقلاء ومن دأبه سبحانه في كلامه أن يطلق الألفاظ المختصة بالعقلاء على غيرهم إذا أضيف إليها شيء من الآثار المختصة بهم كقوله تعالى في الأصنام:"فاسألوهم إن كانوا ينطقون": الأنبياء: 63 ، وقوله:"فإنهم عدو لي": الشعراء: 77 ، إلى غير ذلك من الآيات المتعرضة لحال الأصنام التي كانوا يعبدونها ولا يستقيم للمعبود إلا أن يكون عاقلا ، وكذا قوله:"فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين": حم السجدة: 11 ، وغير ذلك.
والمعنى: وجعلنا لكم معشر البشر في الأرض أشياء تعيشون بها مما تدام به الحياة ولغيركم من أرباب الحياة مثل ذلك.
قوله تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم"الخزائن جمع خزانة وهي مكان خزن المال وحفظه وادخاره ، والقدر بفتحتين أو فتح فسكون مبلغ الشيء وكميته المتعينة.
ولما كانت الآية واقعة في سياق الكلام في الرزق الذي يعيش به الإنسان والحيوان كان المراد بالشيء الموصوف في الآية النبات وما يتبعه من الحبوب والثمرات فالمراد بخزانته التي عند الله وهو ينزل بقدر معلوم المطر النازل من السماء الذي ينبت به النبات فيأتي بالحبوب والأثمار ويعيش بذلك الإنسان والحيوان هذا ملخص ما ذكره جمع من المفسرين.
ولا يخفى عليك ما فيه من التكلف فتخصيص ما في قوله:"و إن من شيء"من العموم وحصره في النبات من تخصيص الأكثر من غير شك والمورد لا يخصص وأردى منه تسمية المطر خزائن النبات وليس إلا سببا من أسبابه وجزء من أجزاء كثيرة يتكون النبات بتركبها الخاص ، على أن المطر إنما تتكون حينما ينزل فكيف يسمى خزانة وليس بموجود ولا أن الذي هو خزانته موجود فيه.
وذكر بعض المفسرين أن المراد بكون خزائن كل شيء عند الله سبحانه شمول قدرته المطلقة له.
فله تعالى من كل نوع من أنواع الأشياء كالإنسان والفرس والنخلة وغير ذلك من الأعيان وصفاتها وآثارها وأفعالها مقدورات في التقدير غير متناهية عددا لا يخرج منها دائما من التقدير والفرض إلى التحقق والفعلية إلا قدر معلوم وعدد معين محدود.