فهرس الكتاب

الصفحة 2476 من 4314

و على هذا فالمراد من كل شيء نوعه لا شخصه كالإنسان مثلا لا كزيد وعمرو ، والمراد من القدر المعلوم الكمية المعينة من الأفراد والمراد من وجود خزائنه ووجوده في خزائنه وجوده بحسب التقدير لا بحسب التحقق فيرجع إلى نوع من التشبيه والمجاز.

وأنت خبير بأن فيه تخصيصا للشيء من غير مخصص ، وفيه قصر للقدر في العدد من غير دليل ، والقدر في اللغة قريب المعنى من الحد وهو المفهوم من سياق قوله تعالى:"قد جعل الله لكل شيء قدرا": الطلاق: 3 ، وقوله:"و كل شيء عنده بمقدار": الرعد: 8 ، وقوله:"إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر: 49 ، وقوله:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان: 2 إلى غير ذلك.

وفيه إرجاع الكلام إلى معنى مجازي استعاري من غير موجب مع ما فيه من ورود الخزائن بصيغة الجمع من غير نكتة ظاهرة.

وذكر بعض معاصري المفسرين وجها آخر وهو أن المراد بالخزائن العناصر المختلفة التي تتألف منها الأرزاق وغيرها وقد أعد الله منها في عالمنا المشهود كمية عظيمة لا تنفد بعروض التركيب والأسباب الكلية التي تعمل في تركب المركبات كالضوء والحرارة والرياح الدائمة المنظمة وغيرها التي تتكون منها الأشياء مما يحتاج إليه الإنسان في إدامة حياته وغيره.

فكل من هذه الأشياء مدخرة بأجزائها والقوى الفعالة فيها في تلك الخزائن غير القابلة للنفاد من جهة عظمة مقداره ومن جهة ما يعود إليه من الأجزاء الجديدة بانحلال تركيب المركبات بموت أو فساد ورجوعها إلى عناصرها الأولية كالنبات يفسد والحيوان يموت فيعود عناصرها بانحلال التركيب إلى مقارها ويتسع بذلك المكان لكينونة نبات وحيوان آخر يخلفان سلفهما.

فالضوء وخاصة ضوء الشمس الذي يعمل الليل والنهار والفصول الأربعة ويربي النبات والحيوان وسائر المركبات ويسوقها إلى غاياتها ومقاصدها من خزائن الله تعالى والرياح التي تلقح النبات وتسوق السحب وتنقل الأهوية من مكان إلى مكان وتدفع فاسد الهواء وتجري السفن خزانة أخرى ، والماء النازل من السماء الذي تحتاج إليه المركبات ذوات الحياة في كينونتها وبقائها خزانة أخرى ، وكذلك العناصر البسيطة التي تتركب منها المركبات كل منها خزانة تنزل من مجموعها أو من عدة منها الأشياء المركبة ، ولا ينزل قط إلا عدد معلوم من كل نوع من غير أن تنفد به الخزائن.

وعلى هذا فمراد الآية بالشيء هو نوعه لا شخصه كما تقدم في الوجه الأول والمراد بخزائنه مجموع ما في الكون من أصوله وعناصره وأسبابه العامة المادية ومجموع الشيء موجود في مجموع خزائنه لا في كل واحد منها والمراد بنزوله بقدر معلوم كينونة عدد محدود منه في كل حين من غير أن يستوفى عدد جميع ما في خزائنه.

وهذا وجه حسن في نفسه تؤيده الأبحاث العلمية عن كينونة هذه الحوادث وتصدقه آيات كثيرة متفرقة في الكتاب العزيز كقوله في الآية التالية:"و أرسلنا الرياح لواقح وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه"وقوله:"و جعلنا من الماء كل شيء حي": الأنبياء: 30 ، وقوله:"و سخر لكم الشمس والقمر دائبين": إبراهيم: 33 ، وقوله:"و السحاب المسخر بين السماء والأرض": البقرة: 164 إلى غير ذلك من الآيات.

لكن الآية وهي من آيات القدر كما يعطيه سياقها تأبى الحمل عليه كما تأبى عنه أخواتها وكيف يحمل عليه قوله:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا"؟: الفرقان: 2 ، وقوله:"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 ، وقوله:"و كل شيء عنده بمقدار": الرعد: 8 ، وقوله:"إلا امرأته قدرناها من الغابرين": النمل: 57 ، وقوله:"من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره": عبس: 19 ، وقوله:"إنا أنزلناه في ليلة القدر"إلى آخر السورة إلى غير ذلك من الآيات.

على أنه يرد عليه بعض ما أورد على الوجهين السابقين كتخصيص عموم"شيء"من غير مخصص وغير ذلك.

والذي يعطيه التدبر في الآية وما يناظرها من الآيات الكريمة أنها من غرر كلامه تعالى تبين ما هو أدق مسلكا وأبعد غورا مما فسروها به وهو ظهور الأشياء بالقدر والأصل الذي لها قبل إحاطته بها واشتماله عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت