و ذلك أن ظاهر قوله:"و إن من شيء"على ما به من العموم بسبب وقوعه في سياق النفي مع تأكيده بمن ، كل ما يصدق عليه أنه شيء من دون أن يخرج منه إلا ما يخرجه نفس السياق وهو ما تدل عليه لفظة"نا"و"عند"و"خزائن"وما عدا ذلك مما يرى ولا يرى مشمول للعام.
فشخص زيد مثلا وهو فرد إنساني من الشيء ونوع من الإنسان أيضا الموجود في الخارج بأفراده من الشيء والآية تثبت لذلك خزائن عند الله سبحانه فلننظر ما معنى كون زيد مثلا له خزائن عند الله؟.
والذي يسهل الأمر فيه أنه تعالى يعد هذا الشيء المذكور نازلا من عنده والنزول يستدعي علوا وسفلا ورفعة وخفضة وسماء وأرضا مثلا ولم ينزل زيد المخلوق مثلا من مكان عال إلى آخر سافل بشهادة العيان فليس المراد بإنزاله إلا خلقه لكنه ذو صفة يصدق عليه النزول بسببها ، ونظير الآية قوله تعالى:"و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6 ، وقوله:"و أنزلنا الحديد": الحديد: 25.
ثم قوله:"و ما ننزله إلا بقدر معلوم"يقرن النزول وهو الخلقة بالقدر قرنا لازما غير جائز الانفكاك لمكان الحصر ، والباء إما للسببية أو الآلة أو المصاحبة والمآل واحد فكينونة زيد وظهوره بالوجود إنما هو بماله من القدر المعلوم فوجوده محدود لا محالة ، كيف؟ وهو تعالى يقول:"إنه بكل شيء محيط": حم السجدة: 54 ، ولو لم يكن محدودا لم يكن محاطا له تعالى فمن المحال أن يحاط بما لا حد له ولا نهاية.
وهذا القدر هو الذي بسببه يتعين الشيء ويتميز من غيره ففي زيد مثلا شيء به يتميز من عمرو وغيره من أفراد الإنسان ويتميز من الفرس والبقر والأرض والسماء ويجوز لنا به أن نقول ليس هو بعمرو ولا بالفرس والبقر والأرض والسماء ولو لا هذا الحد لكان هو هي وارتفع التميز.
وكذلك ما عنده من القوى والآثار والأعمال محدودة مقدرة فليس إبصاره مثلا إبصارا مطلقا في كل حال وفي كل زمان وفي كل مكان ولكل شيء وبكل عضو مثلا بل إبصار في حال وزمان ومكان خاص ولشيء خاص وبعضو خاص وعلى شرائط خاصة ، ولو كان إبصارا مطلقا لأحاط بكل إبصار خاص وكان الجميع له ونظيره الكلام في سائر ما يعود إليه من خصائص وجوده وتوابعه فافهم ذلك.
ومن هنا يظهر أن القدر خصوصية وجود الشيء وكيفية خلقته كما يستفاد أيضا من قوله تعالى:"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 ، وقوله:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 فإن الآية الأولى رتبت الهداية وهي الدلالة على مقاصد الوجود على خلق الشيء وتسويته وتقديره ، والآية الثانية رتبتها على إعطائه ما يختص به من الخلق ، ولازم ذلك - على ما يعطيه سياق الآيتين - كون قدر الشيء خصوصية خلقه غير الخارجة عنه.
ثم إنه تعالى وصف قدر كل شيء بأنه معلوم إذ قال:"و ما ننزله إلا بقدر معلوم"ويفيد بحسب سياق الكلام أن هذا القدر معلوم له حينما يتنزل الشيء ولما يتم نزوله ويظهر وجوده فهو معلوم القدر معينة قبل إيجاده ، وإليه يئول معنى قوله:"و كل شيء عنده بمقدار": الرعد: 8 ، فإن ظاهر الآية أن كل شيء بما له من المقدار حاضر عنده معلوم له فقوله هناك:"عنده بمقدار"في معنا قوله هاهنا"بقدر معلوم"ونظير ذلك قوله في موضع آخر:"قد جعل الله لكل شيء قدرا": الطلاق: 3 ، أي قدرا لا يتجاوزه معينا غير مبهم معلوما غير مجهول وبالجملة للقدر تقدم على الشيء بحسب العلم والمشية وإن كان مقارنا له غير منفك عنه في وجوده.
ثم إنه تعالى أثبت بقوله:"عندنا خزائنه وما ننزله"إلخ ، للشيء عنده قبل نزوله إلى هذه النشأة واستقراره فيها خزائن ، وجعل القدر متأخرا عنها ملازما لنزوله فالشيء وهو في هذه الخزائن غير مقدر بقدر ولا محدود بحد وهو مع ذلك هو.
وقد جمع في تعريف هذه الخزائن بين كونها فوق القدر الذي يلحق الشيء وبين كونها خزائن فوق الواحدة والاثنتين ، ومن المعلوم أن العدد لا يلحق إلا الشيء المحدود وأن هذه الخزائن لو لم تكن محدودة متميزة بعضها من بعض كانت واحدة البتة.