فهرس الكتاب

الصفحة 2478 من 4314

و من هنا يتبين أن هذه الخزائن بعضها فوق بعض وكل ما هو عال منها غير محدود بحد ما هو دان غير مقدر بقدره ومجموعها غير محدود بالحد الذي يلحق الشيء وهو في هذه النشأة ، ولا يبعد أن يكون التعبير بالتنزيل الدال على نوع من التدريج في قوله:"و ما ننزله"إشارة إلى كونه يطوي في نزوله مرحلة بعد مرحلة وكلما ورد مرحلة طرأه من القدر أمر جديد لم يكن قبل حتى إذا وقع في الأخيرة أحاط به القدر من كل جانب قال تعالى:"هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا": الدهر: 1 ، فقد كان الإنسان ولكنه لم يكن شيئا مذكورا.

وهذه الخزائن جميعا فوق عالمنا المشهود لأنه تعالى وصفها بأنها عنده وقد أخبرنا بقوله:"ما عندكم ينفد وما عند الله باق"أن ما عنده ثابت لا يزول ولا يتغير عما هو عليه فهذه الخزائن كائنة ما كانت أمور ثابتة غير زائلة ولا متغيرة ، والأشياء في هذه النشأة المادية المحسوسة متغيرة فانية لا ثابتة ولا باقية فهذه الخزائن الإلهية فوق عالمنا المشهود.

هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وهو وإن كان لا يخلو من دقة وغموض يعضل على بادىء الفهم لكنك لو أمعنت في التدبر وبذلت في ذلك بعض جهدك استنار لك ووجدته من واضحات كلامه إن شاء الله تعالى وعلى من لم يتيسر له قبوله أن يعتمد الوجه الثالث المتقدم فهو أحسن الوجوه الثلاثة المتقدمة والله ولي الهداية وسنرجع إلى بحث القدر في كلام مستقل يختص به إن شاء الله في موضع يناسبه.

قوله تعالى:"و أرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين"اللواقح جمع لاقحة من اللقح بالفتح فالسكون يقال لقح النخل لقحا أي وضع اللقاح - بفتح اللام - وهو طلع الذكور من النخل على الإناث لتحمل بالتمر ، وقد ثبت بالأبحاث الحديثة في علم النبات أن حكم الزوجية جار في عامة النبات وأن فيه ذكورية وأنوثية وأن الرياح في مهبها تحمل الذرات من نطفة الذكور فتلقح بها الإناث ، وهو قوله تعالى:"و أرسلنا الرياح لواقح".

وقوله:"فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه"إشارة إلى المطر النازل من السحاب وقد تسلم الأبحاث العلمية الحديثة أن الماء الموجود في الكرة الأرضية من الأمطار النازلة عليها من السماء على خلاف ما كانت تعتقده القدماء أنه كرة ناقصة محيطة بكرة الأرض إحاطة ناقصة وهو عنصر من العناصر الأربعة.

وهذه الآية التي تثبت بشطرها الأول:"و أرسلنا الرياح لواقح"مسألة الزوجية واللقاح في النبات ، وبشطرها الثاني:"فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه"أن المياه الموجودة المدخرة في الأرض تنتهي إلى الأمطار ، وقوله تعالى السابق:"و أنبتنا فيها من كل شيء موزون"الظاهر في أن للوزن دخلا خاصا في الإنبات والإنماء من نقود العلم التي سبق إليها القرآن الكريم الأبحاث العلمية وهي تتلو المعجزة أو هي هي.

قوله تعالى:"و إنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون"الكلام مسوق للحصر يريد بيان رجوع كل التدبير إليه ، وقد كان ما عده من النعم كالسماء ببروجها والأرض برواسيها ، وإنبات كل شيء موزون وجعل المعايش وإرسال اللواقح وإنزال الماء من السماء إنما يتم نظاما مبنيا على الحكمة والعلم إذا انضم إليه الحياة والموت والحشر ، وكان مما ربما يظن أن بعض الحياة والموت ليس إليه تعالى ولذا أكد الكلام وأتى بالحصر دفعا لذلك.

ثم جاء بقوله:"و نحن الوارثون"أي الباقون بعد إماتتكم المتصرفون فيما خولناكموه من أمتعة الحياة كأنه تعالى يقول إلينا تدبير أمركم ونحن محيطون بكم نحييكم بعد ما لم تكونوا فنحن قبلكم ، ونميتكم ونرثكم فنحن بعدكم.

قوله تعالى:"و لقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين"لما كانت الآيات السابقة التي تعد النعم الإلهية وتصف التدبير مسوقة لبيان وحدانيته تعالى في ربوبيته ، وكان لا ينفع الخلق والنظم من غير انضمام علمه تعالى وخاصة بمن يحييه ويميته عقبها بهذه الآية الدالة على علمه بمن استقدم منهم بالوجود ومن استأخر أي المتقدمين من الناس والمتأخرين على ما يفيده السياق.

وقيل: المراد بالمستقدمين المستقدمون في الخير ، وقيل: المستقدمون في صفوف الحرب ، وقيل: المستقدمون إلى الصف الأول في صلاة الجماعة والمستأخرون خلافهم ، وهي أقوال ردية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت