فهرس الكتاب

الصفحة 2483 من 4314

و لا يبعد أن يستفاد من قوله:"إني خالق""فإذا سويته"أن خلق بدن الإنسان الأول كان على سبيل التدريج الزماني فكان أولا الخلق وهو جمع الأجزاء ثم التسوية وهو تنظيم الأجزاء ووضع كل جزء في موضعه الذي يليق به وعلى الحال التي تليق به ثم النفخ ولا ينافيه ما في قوله تعالى:"خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59 ، فإن قوله:"ثم قال له"إلخ ناظر إلى كينونة الروح وهو النفس الإنسانية دون البدن كما عبر عنه في موضع آخر بعد بيان خلق البدن بالتدريج بقوله:"ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14.

وقوله:"و نفخت فيه من روحي"النفخ إدخال الهواء في داخل الأجسام بفم أو غيره ويكنى به عن إلقاء أثر أو أمر غير محسوس في شيء ، ويعني به في الآية إيجاده تعالى الروح الإنساني بما له من الرابطة والتعلق بالبدن ، وليس بداخل فيه دخول الهواء في الجسم المنفوخ فيه كما يشير إليه قوله سبحانه:"ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14 ، وقوله تعالى:"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم السجدة: 11.

فالآية الأولى - كما ترى - تبين أن الروح الإنساني هو البدن منشأ خلقا آخر والبدن على حاله من غير أن يزاد فيه شيء ، والآية الثانية تبين أن الروح عند الموت مأخوذ من البدن والبدن على حاله من غير أن ينقص منه شيء.

فالروح أمر موجود في نفسه له نوع اتحاد بالبدن بتعلقه به وله استقلال عن البدن إذا انقطع تعلقه به وفارقه وقد تقدم بعض ما يتعلق من الكلام بهذا المقام في تفسير قوله تعالى:"و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات": البقرة: 154 في الجزء الأول من الكتاب.

ونرجو أن نستوفي هذا البحث في ذيل قوله:"قل الروح من أمر ربي": الآية 85 من سورة إسراء إن شاء الله.

وإضافة الروح إليه تعالى في قوله:"من روحي"للتكرمة والتشريف من الإضافة اللامية المفيدة للملك ، وقوله:"فقعوا له ساجدين"أي اسجدوا ، ولا يبعد أن يفهم منه أن خروا على الأرض ساجدين له فيفيد التأكيد في الخضوع من الملائكة لهذا المخلوق الجديد كما قيل.

ومعنى الآية فإذا عدلت تركيبه وأتممت صنع بدنه وأوجدت الروح الكريم المنسوب إلي الذي أربط بينه وبين بدنه فقعوا وخروا على الأرض ساجدين له.

قوله تعالى:"فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين"لفظة أجمعون تأكيد بعد تأكيد لتشديده ، والمراد أن الملائكة سجدوا له بحيث لم يبق منهم أحد وقد استثنى من ذلك إبليس ولم يكن منهم لقوله تعالى:"كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: 50 ، وأما قول من قال: إن طائفة من الملائكة كانوا يسمون الجن وكان إبليس منهم أو إن الجن بمعنى الستر فيعم الملائكة وغيرهم فمما لا يصغى إليه ، وقد تقدم في تفسير سورة الأعراف كلام في معنى شمول الأمر بالسجود لإبليس مع عدم كونه من الملائكة ومعنى الآيتين ظاهر.

قوله تعالى:"قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين""ما لك"مبتدأ وخبر أي ما الذي هو كائن لك؟ وقوله:"ألا تكون"من قبيل نزع الخافض والتقدير في أن لا تكون مع الساجدين وهم الملائكة ، ومحصل المعنى: ما بالك لم تسجد؟.

قوله تعالى:"قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون"في التعبير بقوله:"لم أكن لأسجد"دون أن يقول: لا أسجد أو لست أسجد دلالة على أن الإباء عن السجدة مقتضى ذاته وكان هو المترقب منه لو اطلع على جوهره فتفيد الآية بالكناية ما يفيده قوله في موضع آخر:"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين": ص: 76 بالتصريح.

وقد تقدم كلام في معنى السجود لآدم وأمر الملائكة وإبليس بذلك وائتمارهم وتمرده عنه ، نافع في هذا الباب في تفسير سورتي البقرة والأعراف من هذا الكتاب.

قوله تعالى:"فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين"الرجيم فعيل بمعنى المفعول من الرجم وهو الطرد وشاع استعماله في الطرد بالحجارة والحصاة ، واللعن هو الطرد والإبعاد من الرحمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت