فهرس الكتاب

الصفحة 2484 من 4314

و من هنا يظهر أن قوله:"و إن عليك اللعنة"إلخ بمنزلة البيان لقوله:"فإنك رجيم"فإن الرجم كان سببا لخروجه من بين الملائكة من السماء أو من المنزلة الإلهية وبالجملة من مقام القرب وهو مستوى الرحمة الخاصة الإلهية فينطبق على الإبعاد من الرحمة وهو اللعن.

وقد نسب سبحانه هذه اللعنة المجعولة على إبليس في موضع آخر إلى نفسه فقال:"و إن عليك لعنتي إلى يوم الدين": ص: 58 ، وقيدها في الآيتين جميعا بقوله:"إلى يوم الدين".

أما جعل مطلق اللعنة عليه في قوله:"عليك اللعنة"فلأن اللعن يلحق المعصية وما من معصية إلا ولإبليس فيه صنع بالإغواء والوسوسة فهو الأصل الذي يرجع إليه كل معصية وما يلحقها من لعن حتى في عين ما يعود إلى أشخاص العصاة من اللعن والوبال ، وتذكر في ذلك ما تقدم في ذيل قوله تعالى:"ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه فيجعله في جهنم": الأنفال: 37 في الجزء التاسع من الكتاب.

على أنه لعنه الله أول فاتح فتح باب معصية الله وعصاه في أمره فإليه يعود وبال هذا الطريق بسالكيه ما سلكوا فيه.

وأما جعل لعنته خاصة عليه في قوله:"عليك لعنتي"فلأن الإبعاد من الرحمة بالحقيقة إنما يؤثر أثره إذا كان منه تعالى إذ لا يملك أحد من رحمته إعطاء ومنعا إلا بإذنه فإليه يعود حقيقة الإعطاء والمنع.

على أن اللعن من غيره تعالى بالحقيقة دعاء عليه بالإبعاد من الرحمة وأما نفس الإبعاد الذي هو نتيجة الدعاء فهو من صنعه القائم به تعالى وحقيقته المبالغة في منع الرحمة.

وقال في المجمع: وقال بعض المحققين: إنما قال سبحانه هنا:"و إن عليك اللعنة"بالألف واللام ، وقال في سورة ص:"لعنتي"بالإضافة لأن هناك يقول:"لما خلقت بيدي"مضافا ، فقال:"و إن عليك لعنتي"على المطابقة ، وقال هنا:"ما لك ألا تكون مع الساجدين"وساق الآية على اللام في قوله:"و لقد خلقنا الإنسان"وقوله:"و الجان"فأتى باللام أيضا في قوله:"و إن عليك اللعنة"انتهى وقال أيضا في الآية بيان أنه لا يؤمن قط.

وأما تقييد اللعنة بقوله:"إلى يوم الدين"فلأن اللعنة هي عنوان الإثم والوبال العائد إلى النفس من المعصية والمعصية محدودة بيوم القيامة فاليوم عمل ولا جزاء وغدا جزاء ولا عمل ، وإن شئت فقل: هذه الدار دار كتابة الأعمال وحفظها ويوم القيامة دار الحساب والجزاء.

وأما قول القائل: إن تحديد اللعن بيوم الدين دليل على كونه مغيا به مرفوعا فيه وفيما بعده فمما يدفعه ظاهر الآيات المبينة للعذاب يوم القيامة.

ويؤيد ذلك التعبير في الآية عن يوم القيامة بيوم الدين المشعر بأنه ملعون قبل يوم القيامة ومجزي به فيه ، ولو انقطع العذاب بقيام الساعة لكان اليوم يوم انقطاع الدين لا يوم الدين.

وربما قيل في دفع إشكال الغاية إن ذلك أبعد غاية يضربها الخلائق فهو كقوله:"خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض"الآية ، وهو كما ترى وقد عرفت معنى الآية المقيس عليها في تفسير سورة هود.

وربما قيل: إن المراد باللعنة في الآية لعن الخلائق وذلك منقطع بمجيء يوم الدين دون لعنه تعالى وإبعاده له من رحمته فإنه متصل إلى الأبد.

وكأن هذا القائل ذهب عليه قوله تعالى في سورة ص:"و إن عليك لعنتي إلى يوم الدين": الآية: 78.

قوله تعالى:"قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون"الإنظار هو الإمهال وقد صدر كلامه بقوله:"رب"وهو يخاصمه وقد عصاه واستكبر عليه تعالى لأنه في مقام الدعاء لا مفر له من دعوته تعالى بما يثير به الرحمة الإلهية المطلقة وهو الالتجاء إليه بربوبيته له ليستجيب له وهو مغضوب عليه.

وقد صدر مسألته بفاء التفريع في قوله:"فأنظرني"وذكر فيه بعثة عامة البشر من غير أن يخص بالذكر آدم أباهم الذي ابتلي بالرجم واللعن من أجل الإباء عن السجود له وذلك كله مبني على ما تقدم في تفسير آيات القصة في سورة الأعراف أن المأمور به كان هو السجود لعامة البشر وكان آدم (عليه السلام) كالقنبلة المنصوبة للسجود يمثل به النوع الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت