فهرس الكتاب

الصفحة 2485 من 4314

و توضيحه أنه قد تقدم في قوله تعالى:"و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس": الأعراف: 11 أنهم إنما أمروا بالسجدة لنوع الإنسان لا لشخص آدم (عليه السلام) ولم يكن هذه السجدة تشريفا اجتماعيا من غير غاية حقيقية بل كانت خضوعا بحسب الخلقة فهم بحسب ما أريد من خلقتهم خاضعون للإنسان بحسب ما أريد من كمال خلقته ، أي إنهم مسخرون لأجله عاملون في سبيل سعادة حياته أي إن للإنسان منزلة من القرب ومرحلة من كمال السعادة تفوق ما للملائكة من ذلك.

فسجودهم جميعا له دليل أنهم جميعا مسخرون في سبيل كماله من السعادة عاملون لأجل فوزه وفلاحه كملائكة الحياة وملائكة الموت وملائكة الأرزاق وملائكة الوحي والمعقبات والحفظة والكتبة وغيرهم ممن تذكرهم متفرقات الآيات القرآنية فالملائكة أسباب إلهية وأعوان للإنسان في سبيل سعادته وكماله.

ومن هنا يظهر للمتدبر الفطن أن إباء إبليس عن السجدة استنكاف منه عن الخضوع لنوع الإنسان والعمل في سبيل سعادته وإعانته على كمال المطلوب على خلاف ما ظهر من الملائكة فهو بإبائه عن السجدة خرج من جمع الملائكة كما يفيده قوله تعالى:"ما لك ألا تكون مع الساجدين"وأظهر الخصومة لنوع الإنسان والبراءة منهم ما حيوا وعاشوا أو خالدا مؤبدا.

ويؤيده جعله تعالى اللعنة المطلقة عليه من يوم أبى إلى يوم الدين وهو مدة مكث النوع الإنساني في هذه الدنيا فجعلها عليه كذلك ولما يدع إبليس أنه سيغويهم ولم يقل بعد:"لأغوينهم أجمعين"مشعر بأن إباءه عن السجدة نوع خصومة وعداوة منه لهذا النوع آخذا من آدم إلى آخر من سيولد ويعيش من ذريته.

فكأنه عليه اللعنة فهم من قوله تعالى:"و إن عليك اللعنة إلى يوم الدين"أن له شأنا مع النوع الإنساني إلى يوم القيامة وأن لشقائهم وفساد أعمالهم ارتباطا به من حيث امتنع عن السجود ولذلك سأل النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ذلك على اللعنة المجعولة عليه فقال:"رب فأنظرني إلى يوم يبعثون"ولم يقل: رب أنظرني إلى يوم يبعثون ولم يقل: أنظرني إلى يوم يموت آدم أو أنظرني ما دام حيا يعيش بل ذكر آدم وبنيه جميعا وطلب النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ذلك على اللعنة إلى يوم الدين فلما أجيب إلى ما سأل أبدى ما في كمون ذاته وقال: لأغوينهم أجمعين.

قوله تعالى:"قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم"جواب منه سبحانه لإبليس وفيه إجابة ورد أما الإجابة فبالنسبة إلى أصل الإنظار الذي سأله وأما الرد فبالنسبة إلى القيد وهو أن يكون الإنظار إلى يوم يبعثون فإن من الواضح اللائح بالنظر إلى سياق الآيتين أن يوم وقت المعلوم غير يوم يبعثون فلم يسمح له بإنظاره إلى يوم يبعثون بل إلى يوم هو غيره ولا محالة هو قبل يوم البعث.

وبذلك يظهر فساد قول من قال إنه لعنه الله أجيب إلى ما سأل واليومان في الآيتين واحد ومن الدليل عليه قوله في سورة الأعراف في القصة:"قال إنك من المنظرين": الآية: 15 من غير أن يقيد بشيء.

أما فساد دعواه اتحاد اليومين في الآيتين فقد ظهر مما تقدم وأما فساد الاستدلال بإطلاق آية الأعراف فلأنها تتقيد بما في هذه السورة وسورة ص من التقييد بقوله:"إلى يوم الوقت المعلوم"وهذا كثير شائع في كلامه تعالى والقرآن يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض.

وظاهر يوم الوقت المعلوم أنه وقت تعين في العلم الإلهي نظير قوله:"و ما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 ، وقوله:"أولئك لهم رزق معلوم": الصافات: 41 فهو معلوم عند الله قطعا وأما أنه معلوم لإبليس أو مجهول عنده فغير معلوم من اللفظ ، وقول بعضهم: إنه سبحانه أبهم اليوم ولم يبين فهو معلوم لله غير معلوم لإبليس لأن في بيانه إغراء بالمعصية كلام خال عن الدليل فإبهام اللفظ بالنسبة إلينا غير إبهام ما ألقي إلى إبليس من القول بالنسبة إليه على أن إغراء إبليس بالمعصية وهو الأصل لكل معصية مفروضة لا يخلو عن إشكال فافهمه.

على أن قول إبليس ثانيا:"لأغوينهم أجمعين"شاهد على أنه سيبقى إلى آخر ما يعيش الإنسان في الدنيا ممن يمكنه إغواؤه فقد كان فهم من قوله تعالى:"إلى يوم الوقت المعلوم"أنه آخر عمر البشر العائشين في الأرض الجائز له إغواؤهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت