و لئن أيده بالتمكين بتزيين الباطل من الكفر والفسوق للإنسان أيد الإنسان بأن هداه إلى الحق وزين الإيمان في قلبه وفطرة على التوحيد ، وعرفه الفجور والتقوى ، وجعل له نورا يمشي به في الناس إن آمن بربه إلى غير ذلك من الأيادي ، قال:"قل الله يهدي للحق": يونس: 35 ، وقال:"و لكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم": الحجرات: 7 ، وقال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها": الروم: 30 ، وقال:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8 ، وقال:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 ،"و قال إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51 ، والتكلم بالغير مشعر بوساطة الملائكة.
فالإنسان خلق هو في نفسه أعزل ليس معه شيء من السعادة والشقاء بحسب بدء خلقته واقف في ملتقى سبيلين: سبيل الخير والطاعة وهو سبيل الملائكة ليس لهم إلا الطاعة ، وسبيل الشر والمعصية وهو سبيل إبليس وجنوده وليس معهم إلا المخالفة والمعصية ، فإلى أي السبيلين مال في مسير حياته وقع فيه ورافقه أصحابه وزينوا له ما عندهم وهدوه إلى ما ينتهي إليه سبيلهم وهو الجنة أو النار والسعادة أو الشقاء.
فقد بان مما تقدم أن إنظار إبليس إلى يوم الوقت المعلوم ليس من تقديم المرجوح على الراجح ولا إبطالا لقانون العلية بل ليتيسر به وبما يقابله من بقاء الملائكة ما هو الواجب من أمر الامتحان والابتلاء فلا محل للاستشكال.
وقوله:"لأزينن لهم في الأرض"أي لأزينن لهم الباطل أو لأزينن لهم المعاصي على ما قيل والمعنى الأول أجمع والمفعول محذوف على أي حال ، والظاهر أن المفعول معرض عنه والفعل مستعمل استعمال اللازم ، والغرض بيان أصل التزيين كناية عن الغرور يقال: زين له كذا وكذا أي حمله عليه غرورا ، وضمير"هم"لآدم وذريته على ما يدل عليه السياق ، والمراد بالتزيين لهم في الأرض غرورهم في هذه الحياة الأرضية وهي الحياة الدنيا وهو السبب القريب للإغواء فيكون عطف قوله:"و لأغوينهم أجمعين"عليه من عطف المسبب على السبب المترتب عليه.
والآية تشعر بل تدل على ما قدمناه في تفسير آيات جنة آدم في الجزء الأول من الكتاب أن معصية آدم بالأكل من الشجرة المنهية عن وسوسة إبليس لم تكن معصية لأمر مولوي بل مخالفة لأمر إرشادي لا يوجب نقضا في عصمته فإنه يعرف الأرض في الآية ظرفا لتزيينه وإغوائه فما كان غروره لآدم وزوجته في الجنة إلا ليخرجهما منها وينزلهما إلى الأرض فيتناسلا فيها فيغويهما وبنيهما عن الحق ويضلهم عن الصراط قال تعالى:"يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما": الأعراف: 27.
وقوله:"إلا عبادك منهم المخلصين"استثنى من عموم الإغواء طائفة خاصة من البشر وهم المخلصون - بفتح اللام على القراءة المشهورة - والسياق يشهد أنهم الذين أخلصوا لله وما أخلصهم إلا الله سبحانه ، وقد قدمنا في الكلام على الإخلاص في تفسير سورة يوسف أن المخلصين هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعد ما أخلصوا أنفسهم لله فليس لغيره سبحانه فيهم شركة ولا في قلوبهم محل فلا يشتغلون بغيره تعالى فما ألقاه إليهم الشيطان من حبائله وتزييناته عاد ذكرا لله مقربا إليه.
ومن هنا يترجح أن الاستثناء إنما هو من الإغواء فقط لا منه ومن التزيين بمعنى أنه لعنه الله يزين للكل لكن لا يغوي إلا غير المخلصين.
ويستفاد من استثناء العباد أولا ثم تفسيره بالمخلصين أن حق العبودية إنما هو بأن يخلص الله العبد لنفسه أي أن لا يملكه إلا هو ويرجع إلى أن لا يرى الإنسان لنفسه ملكا وأنه لا يملك نفسه ولا شيئا من صفات نفسه وآثارها وأعمالها وأن الملك - بكسر الميم وضمها - لله وحده.