و قوله تعالى:"قال هذا صراط علي مستقيم"ظاهر الكلام على ما يعطيه السياق أنه كناية على أن الأمر إليه تعالى لا غنى فيه عنه بوجه كما أن كون طريق السفينة على البحر يقضي على راكبيها بأن لا مفر لهم مما يستدعيه العبور على الماء من العدة والوسيلة وكذا كون طريق القافلة على الجبل يحوجهم إلى ما يتهيأ به لعبور قلله الشاهقة ومسالكه الصعبة فكونه صراطا عليه تعالى بالاستقامة هو أنه أمر متوقف من كل جهة إلى حكمه وقضائه تعالى فإنه الله الذي منه يبدأ كل شيء وإليه ينتهي فلا يتحقق أمر إلا وهو ربه القيوم عليه.
وظاهر السياق أيضا أن الإشارة بقوله:"هذا صراط إلخ إلى قول إبليس:"لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"لما أظهر بقوله هذا أنه سينتقم منهم ويبسط سلطته بالتزيين والإغواء عليهم جميعا فلا يخلص منهم إلا القليل كأنه يشير إلى أنه سيستقل بما عزم عليه ويعلو بإرادته على الله سبحانه فيما أراد من خلقهم واستخلافهم واستعبادهم كما حكاه الله تعالى من قوله في موضع آخر من قوله:"و لا تجد أكثرهم شاكرين": الأعراف: 17."
فمعنى الآية أن ما ذكرت من أنك ستغويهم أجمعين واستثنيت منهم من استثنيت وأظهرت نسبته إلى قوتك ومشيئتك زاعما فيه أنك مستقل به ، أمر لا يملكه إلا أنا ولا يحكم فيه غيري ولا يصدر إلا عن قضائي فإن أغويت فبإذني أغويت وإن منعت فبمشيئتي منعت فليس إليك من الأمر شيء ولا من الملك إلا ما ملكتك ولا من القدرة إلا ما أقدرتك ، والذي أقضيه لك من السلطان أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك إلخ.
قوله تعالى:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين"هذا هو القضاء الذي أشار سبحانه إليه في الآية السابقة في أمر الإغواء وذكر أنه له وحده ليس لغيره فيه صنع ولا نصيب.
ومحصله أن آدم وبنيه كلهم عباده لا كما قاله إبليس حيث قصر عباده على المخلصين منهم إذ قال:"إلا عبادك منهم المخلصين"ولم يجعل سبحانه له عليهم - أي على العباد - سلطانا حتى يستقل بأمرهم فيغويهم وإنما جعل له السلطان على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من الغاوين وولوه أمرهم وألقوا إليه زمام تدبيرهم فهؤلاء هم الذين له عليهم سلطان.
فإذا أمعنت في الآية وجدتها ترد على إبليس قوله:"لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"من ثلاث جهات أصلية: إحداها: أنه حصر عباده في المخلصين منهم ونفى عنهم سلطان نفسه وعمم سلطانه على الباقين والله سبحانه عمم عباده على الجميع وقصر سلطان إبليس على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من الغاوين ونفى سلطانه على الباقين.
والثانية: أنه لعنه الله ادعى لنفسه الاستقلال في إغوائهم كما يظهر من قوله:"لأغوينهم"في سياق المخاصمة والتقريع بالانتقام والله سبحانه يرد عليه بأنه منه مزعمة باطلة وإنما هو عن قضاء من الله وسلطان بتسليطه وإنما ملكه إغواء من اتبعه وكان غاويا في نفسه وبسوء اختياره.
فلم يأت إبليس بشيء من نفسه ولم يفسد أمرا على ربه لا في إغوائه أهل الغواية فإنه بقضاء من الله سبحانه أن يستقر لأهل الغواية غيهم بسببه - وقد اعترف لعنه الله بذلك بعض الاعتراف بقوله:"رب بما أغويتني"- ولا في استثنائه المخلصين فإنه أيضا بقضاء من الله نافذ فلا حكم إلا لله.
وهذا الذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على إغواء الغاوين الذين هم في أنفسهم غاوون وتخليص المخلصين وهم مخلصون في أنفسهم من كيده كل ذلك بقضاء من الله ، مبني على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآني المفاد بأمثال قوله تعالى:"إن الحكم إلا لله": يوسف: 67 ، وقوله:"و هو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم": القصص: 70 ، وقوله:"الحق من ربك": آل عمران: 60 ، وقوله:"و يحق الله الحق بكلماته": يونس: 82 ، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن كل حكم إيجابي أو سلبي فهو مملوك لله نافذ بقضائه.
ومن هنا يظهر ما في تفسيرهم قوله:"إلا من اتبعك من الغاوين"من المسامحة فإنهم قالوا: إنه إذا قبل من إبليس واتبعه صار له سلطان عليه بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه من الغي وظاهره أنه سلطان قهري يحصل لإبليس عن سوء اختيارهم ليس من عند نفسه ولا بجعل من الله سبحانه.