فهرس الكتاب

الصفحة 2490 من 4314

وجه الفساد: أن فيه أخذ الاستقلال والحول الذاتي من إبليس وإعطاؤه ذوات الأشياء ولو كان إبليس لا يملك شيئا من عند نفسه وبغير إذن ربه فالأشياء والأمور أيضا لا تملك لنفسها شيئا ولا حكما حتى الضروريات ولوازم الذوات إلا بإذن من الله وتمليك فافهمه.

والثالثة: أن سلطانه على إغواء من يغويه وإن كان بجعل وتسليط من الله سبحانه إلا أنه ليس بتسليط على الإغواء والإضلال الابتدائي غير الجائز إسناده إلى ساحته سبحانه بل تسليط على الإغواء بنحو المجازاة المسبوق بغوايتهم من عندهم وفي أنفسهم.

والدليل على ذلك قوله تعالى:"إلا من اتبعك من الغاوين"فإبليس إنما يغوي من اتبعه بغوايته أي إن الإنسان يتبعه بغوايته أولا فيغويه هو ثانيا فهناك غواية بعدها إغواء والغواية إجرام من الإنسان والإغواء بسبب إبليس مجازاة من الله سبحانه.

ولو كان هذا الإغواء إغواء ابتدائيا من إبليس لمن لا يستحق ذلك لكان هو الأليق باللوم دون الإنسان كما يذكره يوم القيامة على ما يحكيه سبحانه بقوله:"و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم": إبراهيم: 22.

فاللوم على الإنسان المجرم وهو مسئول عن معصيته دون إبليس.

نعم إبليس ملوم على ما يتلبس به من الفعل بسوء اختياره وهو الإغواء الذي سلطه الله عليه مجازاة لما امتنع من السجود لآدم لما أمر به فالإغواء هو الذي استقرت ولايته عليه كما يشير سبحانه إليه في موضع آخر من كلامه إذ يقول: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": الأعراف: 27 ، وقال تعالى وهو أوضح ما يؤيد جميع ما قدمناه:"كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير": الحج: 4."

وقد تحصل مما تقدم أن المراد بقوله:"عبادي"عامة الإنسان ، وأن الاستثناء في قوله:"من اتبعك"متصل لا منقطع ، وأن"من"في قوله:"من الغاوين"بيانية ، وأن الكلام مبني على رد قول إبليس ، وأن الآية مشتملة على قضاءين من الله سبحانه في عقدي المستثنى والمستثنى منه وغير ذلك.

ومن ذلك يظهر عدم استقامة قول بعضهم: إن المراد بعبادي هم الذين استثناهم إبليس وعبر عنهم بقوله:"عبادك منهم"فيكون الاستثناء منقطعا والكلام مسوقا لتقرير قول إبليس إن له سلطانا على من يغويه وإن المخلصين لا سبيل له إليهم والمعنى أن المخلصين لا سلطان لك عليهم لكنك مسلط على من اتبعك من الغاوين.

وأنت تعلم بالتأمل فيما تقدم أن هذا هدم لأساس السياق وما يعطيه مقام المخاصمة وتحق نسبته إلى ساحة العزة والكبرياء وتنزيل خطابه تعالى منزلة لا يفيد معها أكثر من تغيير صورة كلام إبليس مع حفظ معناه تقريرا أو اعترافا فهو يقول: سأغويهم إلا المخلصين ، والله سبحانه يقول: لا تغوي المخلصين لكن تغوي غيرهم!.

وربما فسر بعضهم قوله:"عبادي"بجميع البشر وأخذ مع ذلك الاستثناء منقطعا ولعل ذلك بالبناء على عدم جواز استثناء أكثر الأفراد فلا يقال: له على مائة إلا تسعة وتسعون مثلا ومن المعلوم أن الغاوين من الناس أكثر من المخلصين بما لا يقاس.

وفيه أن ذلك إنما هو فيما كان النظر في الاستثناء إلى صريح العدد وأما إذا كان المنظور إليه هو النوع أو الصنف بعنوانه فلا بأس بزيادة عدد الأفراد ، وللإنسان عدة أصناف: المخلصون ومن دونهم من المؤمنين والمستضعفون والذين اتبعوا إبليس من الغاوين ، وقد استثنى الصنف الأخير في الآية بعنوانه وبقي الباقون وهم أصناف.

ومنهم من جعل الاستثناء منقطعا حذرا من ثبوت سلطان إبليس حتى على الغاوين زعما منه أنه ينافي إطلاق السلطنة الإلهية أو عدله تعالى ومعنى الآية على هذا ، أن عبادي ليس لك عليهم سلطان لكن من اتبعك من الغاوين ألقى إليك زمام نفسه وجعل لك على نفسه سلطانا وليس ذلك من نفسك حتى تعجز الله في خلقه ولا من الله حتى ينافي عدله تعالى.

وفيه: أن له سلطانا على الغاوين لا من نفسه بل بجعل من الله ولا ينافي ذلك عدله في خلقه فإنه تسليط مجازاة لا تسليط ابتدائي ، ولا منافاة بين كون السلطان بقضاء منه تعالى وكونه باتباع الغاوين له باختيارهم فكل ذلك مما قد تبين فيما قدمناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت