فهرس الكتاب

الصفحة 2491 من 4314

على أن قوله تعالى فيه:"كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله": الحج: 4 ، وقوله:"إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": الأعراف: 27 ، يدلان صريحا على ثبوت سلطانه وأنه بجعل من الله سبحانه وقضاء.

قوله تعالى:"و إن جهنم لموعدهم أجمعين"الظاهر أن"موعد"اسم مكان والمراد بكون جهنم موعدهم كونه محل إنجاز ما وعدهم الله من العذاب.

وهذا منه سبحانه تأكيد لثبوت قدرته ورجوع الأمر كله إليه كأنه تعالى يقول له: ما ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك ولم تعجزنا بل نحن سلطناك عليهم لاتباعهم لك على أنا سنجازيهم بعذاب جهنم.

ولكون الكلام مسوقا لبيان حالهم اقتصر على ذكر جزائهم ولم يذكر معهم إبليس ولا جزاءه بخلاف قوله:"لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85 ، وقوله:"فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا": إسراء: 63 ، لأن المقام غير المقام.

قوله تعالى:"لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم"لم يبين سبحانه في شيء من صريح كلامه ما هو المراد بهذه الأبواب أ هي كأبواب الحيطان مداخل تهدي الجميع إلى عرصة واحدة أم هي طبقات ودركات تختلف في نوع العذاب وشدته؟ وكثيرا ما يسمى في الأمور المختلفة الأنواع كل نوع بابا كما يقال: أبواب الخير وأبواب الشر وأبواب الرحمة ، قال تعالى:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء": الأنعام: 44 ، وربما سمي أسباب الشيء وطرق الوصول إليه أبوابا كأبواب الرزق لأنواع المكاسب والمعاملات.

وليس من البعيد أن يستفاد المعنى الثاني من متفرقات آيات النار كقوله تعالى:"و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها - إلى أن قال: قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها": الزمر: 72 ،"و قوله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار": النساء: 145 ، إلى غير ذلك من الآيات.

ويؤيده قوله:"لكل باب منهم جزء مقسوم"فإن ظاهره أن نفس الجزء مقسوم موزع على الباب ، وهذا إنما يلائم الباب بمعنى الطبقة دون الباب بمعنى المدخل وأما تفسير بعضهم الجزء المقسوم بالفريق المعين المفروز من غيره فوهنه ظاهر.

وعلى هذا فكون جهنم لها سبعة أبواب هو كون العذاب المعد فيها متنوعا إلى سبعة أنواع ثم انقسام كل نوع أقساما حسب انقسام الجزء الداخل الماكث فيه ، وذلك يستدعي انقسام المعاصي الموجبة للدخول فيها سبعة أقسام ، وكذا انقسام الطرق المؤدية والأسباب الداعية إلى تلك المعاصي ذاك الانقسام ، وبذلك يتأيد ما ورد من الروايات في هذه المعاني كما سيوافيك إن شاء الله.

قوله تعالى:"إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين"أي إنهم مستقرون في جنات وعيون يقال لهم: ادخلوها بسلام لا يوصف ولا يكتنه نعته في حال كونكم آمنين من كل شر وضر.

لما ذكر سبحانه قضاءه فيمن اتبع إبليس من الغاوين ذكر ما قضى به في حق المتقين من الجنة ، وقد ورد تفسير التقوى في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالورع عن محارم الله ، وقد تكرر في كلامه تعالى بشراهم بالجنة فيكون المتقون أعم من المخلصين.

وما قيل: إنه لا شبهة في أن السياق يدل على أن المتقين هم المخلصون السابق ذكرهم ، وأن المطلق يحمل على الفرد الكامل.

فيه أن ذلك مبني على كون المراد بالعباد في قوله:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان"هم المخلصين حتى يختص السياق بالكلام فيهم ، وقد تقدم أن المراد بالعباد عامة أفراد الإنسان خرج منه الغاوون بالاستثناء وبقي الباقون ، وقد ذكر سبحانه قضاءه في الغاوين بالنار وهو ذا يذكر قضاءه في غيرهم ممن أوجب له الجنة والأمر في المستضعفين مرجأ وفي العصاة من أهل الكبائر الذين يموتون بغير توبة منوط بالشفاعة فيبقى أهل التقوى من المؤمنين وهم أعم من المخلصين فقضي فيهم بالجنة.

وأما حديث حمل المطلق على الفرد الكامل فهو خطأ وإنما يحمل على الفرد المتعارف وتفصيل المسألة في فن الأصول.

وذكر الإمام الرازي في تفسيره أن المراد بالمتقين في الآية الذين اتقوا الشرك ونقله عن جمهور الصحابة والتابعين وأسنده إلى الخبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت