و ليس لأحد أن يحقر عذابه أو يؤمل عجزه أو يأمن مكره والله غالب على أمره ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
قوله تعالى:"و نبئهم عن ضيف إبراهيم"الضيف معروف ويطلق على المفرد والجمع وربما يجمع على أضياف وضيوف وضيفان لكن الأفصح - كما قيل - أن لا يثنى ولا يجمع لكونه مصدرا في الأصل.
والمراد بالضيف الملائكة المكرمون الذين أرسلوا لبشارة إبراهيم بالولد ولهلاك قوم لوط سماهم ضيفا لأنهم دخلوا عليه في صورة الضيف.
قوله تعالى:"إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم"ضمير الجمع في"دخلوا"و"قالوا"في الموضعين للملائكة فقولهم:"سلاما"تحية وتقديره نسلم عليك سلاما وقول إبراهيم (عليه السلام) :"إنا منكم وجلون"أي خائفون والوجل: الخوف.
وإنما قال لهم إبراهيم ذلك بعد ما استقر بهم المجلس وقدم إليهم عجلا حنيذا فلم يأكلوا منه فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة كما في سورة هود فالقصة مذكورة على نحو التلخيص.
وقولهم:"لا توجل"تسكين لوجله وتأمين له وتطييب لنفسه بأنهم رسل ربه وقد دخلوا عليه ليبشروه بغلام عليم أي بولد يكون غلاما وعليما ، ولعل المراد كونه عليما بتعليم الله ووحيه فيقرب من قوله في موضع آخر:"فبشرناه بإسحاق نبيا": الصافات: 112.
قوله تعالى:"قال أ بشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون"تلقى إبراهيم (عليه السلام) البشرى وهو شيخ كبير هرم لا عقب له من زوجه وقد أيئسته العادة الجارية عن الولد وإن كان يجل أن يقنط من رحمة الله ونفوذ قدرته ، ولذا تعجب من قولهم واستفهمهم كيف يبشرونه بالولد وحاله هذه الحال؟ وزوجه عجوز عقيم كما وقع في موضع آخر من كلامه تعالى.
فقوله:"أ بشرتموني على أن مسني الكبر"الكبر كناية عن الشيخوخة ومسه هو نيله منه ما نال بإفناء شبابه وإذهاب قواه ، والمعنى إني لأتعجب من بشارتكم إياي والحال أني شيخ هرم فني شبابي وفقدت قوى بدني ، والعادة تستدعي أن لا يولد لمن هذا شأنه ولد.
وقوله:"فبم تبشرون"تفريع على قوله:"مسني الكبر"وهو استفهام عما بشروه به كأنه يشك في كون بشارتهم بشرى بالولد مع تصريحهم بذلك لا استبعاد ذلك فيسأل ما هو الذي تبشرون به؟ فإن الذي يدل عليه ظاهر كلامكم أمر عجيب ، وهذا شائع في الكلام يقول الرجل إذا أخبر بما يستبعده أو لا يصدقه: ما تقول؟ وما تريد؟ وما ذا تصنع؟.
قوله تعالى:"قالوا بشرناك بالحق - إلى قوله - إلا الضالون"الباء في"بالحق"للمصاحبة أي إن بشارتنا ملازمة للحق غير منفكة منه فلا تدفعها بالاستبعاد فتكون من القانطين من رحمة الله وهذا ، جواب للملائكة وقد قابلهم إبراهيم (عليه السلام) على نحو التكنية فقال:"و من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون"والاستفهام إنكاري أي إن القنوط من رحمة الله مما يختص بالضالين ولست أنا بضال فليس سؤالي سؤال قانط مستبعد.
قوله تعالى:"قال فما خطبكم أيها المرسلون"الخطب الأمر الجليل والشأن العظيم ، وفي خطابهم بالمرسلين دلالة على أنهم ذكروا له ذلك قبلا ، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين - إلى قوله - لمن الغابرين"قال في المفردات: الغابر الماكث بعد مضي من هو معه قال تعالى:"إلا عجوزا في الغابرين"يعني فيمن طال أعمارهم ، وقيل: فيمن بقي ولم يسر مع لوط ، وقيل: فيمن بقي بعد في العذاب ، وفي آخر:"إلا امرأتك كانت من الغابرين"وفي آخر:"قدرنا إنها لمن الغابرين"- إلى أن قال - والغبار ما يبقى من التراب المثار وجعل على بناء الدخان والعثار ونحوهما من البقايا.
انتهى ولعله من هنا ما ربما يسمى الماضي والمستقبل معا غابرا أما الماضي فبعناية أنه بقي فيما مضى ولم يتعد إلى الزمان الحاضر وأما المستقبل فبعناية أنه باق لم يفن بعد كالماضي.
والآيات جواب الملائكة لسؤال إبراهيم"قالوا إنا أرسلنا"من عند الله سبحانه"إلى قوم مجرمين"نكروهم ولم يسموهم صونا للسان عن التصريح باسمهم تنفرا منه ومستقبل الكلام يعينهم ثم استثنوا وقالوا:"إلا آل لوط"وهم لوط وخاصته وظهر به أن القوم قومه"إنا لمنجوهم"أي مخلصوهم من العذاب"أجمعين"وظاهر السياق كون الاستثناء منقطعا.