ثم استثنوا امرأة لوط من آله للدلالة على أن النجاة لا تشملها وأن العذاب سيأخذها ويهلكها فقالوا"إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين"أي الباقين من القوم بعد خروج آل لوط من قريتهم.
وقد تقدم تفصيل قول في ضيف إبراهيم (عليه السلام) في سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب وعقدنا هناك بحثا مستقلا فيه.
قوله تعالى:"فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون"إنما قال لهم لوط (عليه السلام) ذلك لكونهم ظاهرين بصور غلمان مرد حسان وكان يشقه ما يراه منهم وشأن قومه شأنهم من الفحشاء كما تقدم في سورة هود والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون"الامتراء من المرية وهو الشك ، والمراد بما كانوا فيه يمترون العذاب الذي كان ينذرهم به لوط وهم يشكون فيه ، والمراد بإتيانهم بالحق إتيانهم بقضاء حق في أمر القوم لا معدل عنه كما وقع في موضع آخر من قولهم:"و إنهم آتيهم عذاب غير مردود": هود: 76 ، وقيل: المراد"و أتيناك بالعذاب الذي لا شك فيه"وما ذكرناه هو الوجه.
وفي آيات القصة تقديم وتأخير لا بمعنى اختلال ترتيبها بحسب النزول عند التأليف بوضع ما هو مؤخر في موضع المقدم وبالعكس بل بمعنى ذكره تعالى بعض أجزاء القصة في غير محله الذي يقتضيه الترتيب الطبعي وتعينه له سنة الاقتصاص لنكتة توجب ذلك.
وترتيب القصة بحسب أجزائها على ما ذكرها الله سبحانه في سورة هود وغيرها والاعتبار يساعد ذلك مقتضاه أن يكون قوله:"فلما جاء آل لوط"إلى تمام آيتين قبل سائر الآيات.
ثم قوله:"و جاء أهل المدينة"إلى تمام ست آيات.
ثم قوله:"قالوا بل جئناك"إلى تمام أربع آيات.
ثم قوله:"فأخذتهم الصيحة مشرقين"إلى آخر الآيات.
وحقيقة هذا التقديم والتأخير أن للقصة فصولا أربعة وقد أخذ الفصل الثالث منها فوضع بين الأول والثاني أعني أن قوله:"و جاء أهل المدينة"إلى آخره أخر في الذكر ليتصل آخره وهو قوله:"لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون"بأول الفصل الأخير:"فأخذتهم الصيحة مشرقين"وذلك ليتمثل به الغرض في الاستشهاد بالقصة وينجلي أوضح الانجلاء وهو نزول عذاب هائل كعذابهم في حال سكرة منهم وأمن منه لا يخطر ببالهم شيء من ذلك وذلك أبلغ في الدهشة وأوقع في الحسرة يزيد في العذاب ألما على ألم.
ونظير هذا في التلويح بهذه النكتة ما في آخر قصة أصحاب الحجر الآتية من اتصال قوله:"و كانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين"بقوله:"فأخذتهم الصيحة مصبحين"كل ذلك ليجلي معنى قوله تعالى في صدر المقال:"و أن عذابي هو العذاب الأليم"فافهم ذلك.
قوله تعالى:"فأسر بأهلك بقطع من الليل"إلى آخر الآية ، الإسراء هو السير بالليل ، فقوله:"بقطع من الليل"يؤكده وقطع الليل شطر مقطوع منه ، والمراد باتباعه أدبارهم هو أن يسير وراءهم فلا يترك أحدا يتخلف عن السير ويحملهم على السير الحثيث كما يشعر به قوله:"و لا يلتفت منكم أحد".
والمعنى: وإذ جئناك بعذاب غير مردود وأمر من الله ماض يجب عليك أن تسير بأهلك ليلا وتأخذ أنت وراءهم لئلا يتخلفوا عن السير ولا يساهلوا فيه ولا يلتفت أحد منكم إلى ورائه وامضوا حيث تؤمرون ، وفيه دلالة على أنه كانت أمامهم هداية إلهية تهديهم وقائد يقودهم.
قوله تعالى:"و قضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين"القضاء مضمن معنى الوحي ولذا عدي بإلى - كما قيل - والمراد بالأمر أمر العذاب كما يفسره قوله:"أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين"والإشارة إليه بلفظة"ذلك"للدلالة على عظم خطره وهول أمره.
والمعنى: وقضينا أمرنا العظيم في عذابهم موحيا ذلك إلى لوط وهو أن دابر هؤلاء وأثرهم الذي من شأنه أن يبقى بعدهم من نسل وبناء وعمل مقطوع حال كونهم مصبحين أو التقدير أوحينا إليه قاضيا ، إلخ.
قوله تعالى:"و جاء أهل المدينة يستبشرون - إلى قوله - إن كنتم فاعلين"يدل نسبة المجيء إلى أهل المدينة على كونهم جماعة عظيمة يصح عدهم أهل المدينة لكثرتهم.