و أما ذيلها وهي ثمان وثمانون آية من قوله:"و الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا"إلى آخر السورة على ما بينها من الاتصال والارتباط فسياق الآيات فيه يشبه أن تكون مما نزلت في أوائل عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة بعيد الهجرة - فصدر السورة وذيلها متقاربا النزول - وذلك لما فيها من آيات لا تنطبق مضامينها إلا على بعض الحوادث الواقعة بعيد الهجرة كقوله تعالى:"و الذين هاجروا في الله"الآية ، وقوله:"و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر"الآية النازلة على قول في سلمان الفارسي وقد آمن بالمدينة ، وقوله:"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره"الآية النازلة في عمار - كما سيأتي - وكذا الآيات النازلة في اليهود والآيات النازلة في الأحكام كل ذلك يفيد الظن بكون الآيات مدنية.
ومع ذلك فاختلاف النزول لائح من بعضها كقوله:"و الذين هاجروا"إلخ: الآية - 41 ، وقوله:"و إذا بدلنا آية مكان آية": الآية: 101 إلى تمام آيتين أو خمس آيات ، وقوله:"من كفر بالله من بعد إيمانه": الآية: 106 وعدة آيات تتلوها.
والإنصاف - بعد ذلك كله - أن قوله تعالى:"و الذين هاجروا": الآية: 41 إلى تمام آيتين ، وقوله:"من كفر بالله من بعد إيمانه": الآية: 106 وبضع آيات بعدها ، وقوله:"و إن عاقبتم فعاقبوا": الآية: 126 وآيتان بعدها مدنية لشهادة سياقها بذلك ، والباقي أشبه بالمكية منها بالمدنية.
وهذا وإن لم يوافق شيئا من المأثور لكن السياق يشهد به وهو أولى بالإتباع.
وقد مر في تفسير آية 118 من سورة الأنعام احتمال أن تكون نازلة بعد سورة النحل وهي مكية.
والغرض الذي هو كالجامع لآيات ذيل السورة أن فيها أمرا بالصبر ووعدا حسنا على الصبر في ذات الله.
وغرض السورة الإخبار بإشراف أمر الله وهو ظهور الدين الحق عليهم ويوضح تعالى ذلك ببيان أن الله هو الإله المعبود لا غير لقيام تدبير العالم به ، كما أن الخلقة قائمة به ولانتهاء جميع النعم إليه ، وانتفاء ذلك عن غيره ، فالواجب أن يعبد الله ولا يعبد غيره ، وبيان أن الدين الحق لله فيجب أن يؤخذ به ولا يشرع دونه دين ورد ما أبداه المشركون من الشبهة على النبوة والتشريع وبيان أمور من الدين الإلهي.
هذا هو الذي يرومه معظم آيات السورة وتنعطف إلى بيانه مرة بعد مرة وفي ضمنها آيات تتعرض لأمر الهجرة وما يناسب ذلك مما يحوم حولها.
قوله تعالى:"أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون"ظاهر السياق أن الخطاب للمشركين لأن الآيات التالية مسوقة احتجاجا عليهم ، إلى قوله في الآية الثانية والعشرين:"إلهكم إله واحد"ووجه الكلام فيها إلى المشركين ، وهي جميعا كالمتفرعة على قوله في ذيل هذه الآية:"سبحانه وتعالى عما يشركون"ومقتضاه أن يكون الأمر الذي أخبر بإتيانه أمرا يطهر ساحة الربوبية من شركهم بحسم مادته ، ولم تقع في كلامه حكاية استعجال من المؤمنين في أمر ، بل المذكور استعجال المشركين بما كان يذكر في كلامه تعالى من أمر الساعة وأمر ، الفتح وأمر نزول العذاب ، كما يشير إليه قوله:"قل أ رأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون - إلى قوله - ويستنبؤنك أ حق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين": يونس: 53 إلى غير ذلك من الآيات.
وعلى هذا فالمراد بالأمر ما وعد الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين آمنوا وأوعد المشركين مرة بعد مرة في كلامه أنه سينصر المؤمنين ويخزي الكافرين ويعذبهم ويظهر دينه بأمر من عنده كما قال:"فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره": البقرة: 109.
وإليه يعود أيضا ضمير"فلا تستعجلوه"على ما يفيده السياق أو يكون المراد بإتيان الأمر إشرافه على التحقق وقربه من الظهور ، وهذا شائع في الكلام يقال لمن ينتظر ورود الأمير: هذا الأمير جاء وقد دنا مجيئه ولم يجىء بعد.
وعلى هذا أيضا يكون قوله:"سبحانه وتعالى عما يشركون"من قبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى أنهم ينبغي أن يعرض عن مخاطبتهم ومشافهتهم لانحطاط أفهامهم لشركهم ولم يستعجلوا نزول الأمر إلا لشركهم استهزاء وسخرية.
وبما مر يندفع ما ذكره بعضهم أن الخطاب في الآية للمؤمنين أو للمؤمنين والمشركين جميعا فإن السياق لا يلائمه.