فهرس الكتاب

الصفحة 2510 من 4314

على أنه تعالى يخص في كلامه الاستعجال بغير المؤمنين وينفيه عنهم قال:"يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق": الشورى: 18.

وكذا ما ذكروه أن المراد بالأمر هو يوم القيامة وذلك أن المشركين وإن كانوا يستعجلونه أيضا كما يدل عليه قولهم على ما حكاه الله تعالى:"متى هذا الوعد إن كنتم صادقين": يس: 48 لكن سياق الآيات لا يساعد عليه كما عرفت.

ومن العجيب ما استدل به جمع منهم على أن المراد بالأمر يوم القيامة أنه تعالى لما قال في آخر سورة الحجر:"فوربك لنسألنهم أجمعين"وكان فيه تنبيه على حشر هؤلاء وسؤالهم قال في مفتتح هذه السورة:"أتى أمر الله"فأخبر بقرب يوم القيامة وكذا قوله في آخر الحجر:"و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين"وهو مفسر بالموت شديد المناسبة بأن يكون المراد بالأمر في هذه السورة يوم القيامة ومما يؤكد المناسبة قوله هناك:"يأتيك"وهاهنا:"أتى".

وأمثال هذه الأقاويل الملفقة مما ينبغي أن يلتفت إليه.

ونظيره قول بعضهم: إن المراد بالأمر واحدة الأوامر ومعناه الحكم كأنه يشير به إلى ما في السورة من أحكام العهد واليمين ومحرمات الأكل وغيرها والخطاب على هذا للمؤمنين خاصة وهو كما ترى.

قوله تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده"إلى آخر الآية.

الناس على اختلافهم الشديد قديما وحديثا في حقيقة الروح لا يختلفون في أنهم يفهمون منه معنى واحدا وهو ما به الحياة التي هي ملاك الشعور والإرادة فهذا المعنى هو المراد في الآية الكريمة.

وأما حقيقته إجمالا فالذي يفيده مثل قوله تعالى:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا": النبأ: 38 ، وقوله:"تعرج الملائكة والروح إليه": المعارج: 4 وغيرهما أنه موجود مستقل ذو حياة وعلم وقدرة وليس من قبيل الصفات والأحوال القائمة بالأشياء كما ربما يتوهم ، وقد أفاد بقوله:"قل الروح من أمر ربي"أنه من سنخ أمره ، وعرف أيضا أمره بمثل قوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83 ، فدل على أنه كلمة الإيجاد التي يوجد سبحانه بها الأشياء أي الوجود الذي يفيضه عليها لكن لا من كل جهة بل من جهة استناده إليه تعالى بلا مادة ولا زمان ولا مكان كما يفيده قوله:"و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر: 50 فإن هذا التعبير إنما يورد فيما لا تدريج فيه أي لا مادة ولا حركة له ، وليكن هذا الإجمال عندك حتى يرد عليك تفصيله فيما سيأتي إن شاء الله في تفسير سورة الإسراء.

فتحصل أن الروح كلمة الحياة التي يلقيها الله سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيئته ، ولذلك سماه وحيا وعد إلقاءه وإنزاله على نبيه إيحاء في قوله:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 ، فإن الوحي هو الكلام الخفي والتفهيم بطريق الإشارة والإيماء فيكون إلقاء كلمته تعالى - كلمة الحياة - إلى قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحيا للروح إليه ، فافهم ذلك.

فقوله تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره"الباء للمصاحبة أو للسببية ولا كثير تفاوت بينهما في المآل كما هو ظاهر عند المتأمل فإن تنزيل الملائكة بمصاحبة الروح إنما هو لإلقائه في روح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليفيض عليه المعارف الإلهية وكذا تنزيلهم بسبب الروح لأن كلمته تعالى أعني كلمة الحياة تحكم في الملائكة وتحييهم كما تحكم في الإنسان وتحييه ، وضمير"ينزل"له تعالى والجملة استئناف تفيد تعليل قوله في الآية السابقة:"سبحانه وتعالى عما يشركون".

والمعنى: أن الله منزه ومتعال عن شركهم أو عن الشريك الذي يدعونه له ولتنزهه وتعاليه عن الشريك ينزل سبحانه الملائكة بمصاحبة الروح الذي هو من سنخ أمره وكلمته في الإيجاد - أو بسببه - على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون.

وذكر بعضهم أن المراد بالروح الوحي أو القرآن وسمي روحا لأن به حياة القلوب ، كما أن الروح الحقيقي به حياة الأبدان.

قال: وقوله:"من أمره"أي بأمره ، ونظيره قوله:"يحفظونه من أمر الله"أي بأمر الله لأن أحدا لا يحفظه عن أمره ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت