أما قوله: إن"من"في قوله"من أمره"بمعنى الباء استنادا إلى قوله:"يحفظونه من أمر الله"أي بأمر الله إلخ فقد مر في تفسير سورة الرعد أن"من"على ظاهر معناه وأن بعض أمره تعالى يحفظ الأشياء من بعض أمره فلا وجه لأخذ"من أمره"بمعنى"بأمره"بل قوله"بالروح من أمره"معناه بالروح الكائن من أمره - على أن الظرف مستقر لا لغو - كما في قوله:"قل الروح من أمر ربي"ومعناه ما تقدم.
وأما قوله: إن الروح بمعنى الوحي أو القرآن وكذا قول بعضهم: إنه بمعنى النبوة فلا يخلو عن وجه بحسب النتيجة بمعنى أن نتيجة نزول الملائكة بالروح من أمره هو الوحي أو النبوة ، وأما في نفسه وهو أن يسمى الوحي أو النبوة روحا باشتراك لفظي أو مجازا من حيث إنه يحيي القلوب ويعمرها ، كما أن الروح به حياة الأبدان وعمارتها فهو فاسد لما بيناه مرارا أن الطريق إلى تشخيص مصاديق الكلمات في كلامه تعالى هو الرجوع إلى سائر ما يصلح من كلامه لتفسيره دون الرجوع إلى العرف وما يراه في مصاديق الألفاظ.
والمتحصل من كلامه سبحانه أن الروح خلق من خلق الله وهو حقيقة واحدة ذات مراتب ودرجات مختلفة منها ما في الحيوان وغير المؤمنين من الإنسان ومنها ما في المؤمنين من الإنسان ، قال تعالى:"و أيدهم بروح منه": المجادلة: 22 ، ومنها ما يتأيد به الأنبياء والرسل كما قال"و أيدناه بروح القدس": البقرة: 87 ، وقال:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
هذا ما تفيده الآيات الكريمة وأما أن إطلاق اللفظ على هذا المعنى هل هي حقيقة أو مجاز وما أمعنوا في البحث أنه من الاستعارة المصرحة أو استعارة بالكناية أو أن قوله:"بالروح من أمره"من قبيل التشبيه لذكر المشبه صريحا بناء على كون"من"في قوله:"من أمره"بيانية كما صرحوا في قوله:"حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر": البقرة: 187 أنه من التشبيه للتصريح بالمشبه في متن الكلام فكل ذلك من الأبحاث الأدبية الفنية التي ليس لها كثير تأثير في الحصول على الحقائق.
وذكر بعضهم أن"من أمره"بيان للروح ، و"من"للتبيين ، والمراد بالروح الوحي ، كما تقدم.
وفيه أنه مدفوع بقوله تعالى:"قل الروح ، من أمر ربي"فإن من الواضح أن الآيتين تسلكان مسلكا واحدا ، وظاهر آية الإسراء أن"من"فيها للابتداء أو للنشوء ، والمراد بيان أن الروح من سنخ الأمر وشأن من شئونه ويقرب منها قوله تعالى:"تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر": القدر: 4.
وذكر بعضهم أن المراد بالروح هو جبريل وأيده بقوله:"نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 ، فإن من المسلم أن المراد به في الآية ، هو جبريل والباء للمصاحبة والمراد بالملائكة ملائكة الوحي وهم أعوان جبريل ، والمراد بالأمر واحد الأوامر ، والمعنى ينزل تعالى ملائكة الوحي بمصاحبة جبريل بأمره وإرادته.
وفيه أن هذه الآية نظيرة قوله تعالى:"يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق": المؤمن: 15 ، وظاهره لا يلائم كون المراد بالروح هو جبريل.
وأردأ الوجوه ما ذكره بعضهم أن المراد بالروح أرواح الناس لا ينزل ملك إلا ومعه واحد من الأرواح ، وهو منقول عن مجاهد ، وفساده ظاهر.
وقوله:"على من يشاء من عباده"أي إن بعث الرسل وتنزيل الملائكة بالروح من أمره عليهم متوقف على مجرد المشية الإلهية من غير أن يقهره تعالى في ذلك قاهر غيره فيجبره على الفعل أو يمنعه من الفعل كما في سائر أفعاله تعالى فإنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
فلا ينافي ذلك كون فعله ملازما لحكم ومصالح ومختلفا باختلاف الاستعدادات لا يقع إلا عن استعداد في المحل وصلاحية للقبول فإن استعداد المستعد ليس إلا كسؤال السائل ، فكما أن سؤال السائل إنما يقربه من جود المسئول وعطائه من غير أن يجبره على الإعطاء ويقهره كذلك الاستعداد في تقريبه المستعد لإفاضته تعالى وحرمان غير المستعد من ذلك فهو تعالى يفعل ما يشاء من غير أن يوجبه عليه شيء أو يمنعه عنه شيء لكنه لا يفعل شيئا ولا يفيض رحمة إلا عن استعداد فيما يفيض عليه وصلاحية منه.