و قد أفاد ذلك في خصوص الرسالة حيث قال:"و إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ، الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون": الأنعام: 124 ، فإن الآية ظاهرة في أن الموارد مختلفة في قبول كرامة الرسالة وأن الله سبحانه أعلم بالمورد الذي يصلح لها ويستأهل لتلك الكرامة وهو غير هؤلاء المجرمين الماكرين وأما هم فليس لهم عند الله إلا الصغار والعذاب لإجرامهم ومكرهم.
هذا.
ومن هنا يظهر فساد استدلال بعضهم بالآية على نفي المرجح في مورد الرسالة ومحصل ما ذكره أن الآية تعلق الرسالة على مجرد المشية الإلهية من غير أن تقيدها بشيء ، فالرسول إنما ينال الرسالة بمشية من الله لا لاختصاصه بصفات تؤهله لذلك ويرجحه على غيره ووجه الفساد ظاهر مما تقدم.
ونظيره في الفساد الاستدلال بالآية على كون الرسالة عطائية غير كسبية ، وذلك أنه تعالى غير محكوم عليه في ما ينسب إليه من الفعل لا يفعل إلا ما يشاء ، والأمور العطائية والكسبية في ذلك سواء ، ولا شيء يقع في الوجود إلا بإذنه.
وقوله:"أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون"بيان لقوله:"ينزل الملائكة بالروح"لكونه في معنى الوحي أو بيان للروح بناء على كونه بمعنى الوحي ، والإنذار هو إخبار فيه تخويف ، كما أن التبشير هو إخبار فيه سرور على ما ذكره الراغب أو إعلام بالمحذور كما ذكره غيره ، والتقدير على الأول أخبروهم مخوفين بوحدانيتي في الألوهية ووجوب تقواي ، وعلى الثاني أعلموهم ذلك ، على أن يكون"أنه"مفعولا ثانيا لا منصوبا بنزع الخافض.
وقد علم بذلك أن قوله:"فاتقون"متفرع على قوله:"لا إله إلا أنا"والجملتان جميعا مفعول ثان أو في موضعه لقوله:"أنذروا"ويوضح ذلك أن لا إله وهو الذي يبتدىء منه وينتهي إليه كل شيء أو المعبود بالحق من لوازم صفة ألوهيته أن يتقيه الإنسان لتوقف كل خير وسعادة إليه ، فلو فرض أنه واحد لا شريك له في ألوهيته كان لازمه أن يتقى وحده لأن التقوى وهو إصلاح مقام العمل فرع لما في مقام الاعتقاد والنظر ، فعبادة الآلهة الكثيرين والخضوع لهم لا يجامع الاعتقاد بإله واحد لا شريك له الذي هو القيوم على كل شيء وبيده زمام كل أمر ولذا لم يؤمر نبي أن يدعو إلى توحيد من غير عمل أو إلى عمل من غير توحيد ، قال تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون": الأنبياء: 25.
فالذي أمر الرسل بالإنذار به في الآية هو مجموع قوله:"أنه لا إله إلا أنا فاتقون"وهو تمام الدين لاندراج الاعتقادات الحقة في التوحيد والأحكام العملية جميعا في التقوى ، ولا يعبأ بما ذكره بعضهم أن قوله:"فاتقون"للمستعجلين من الكفار المذكورين في الآية الأولى أو لخصوص كفار قريش من غير أن يكون داخلا فيما أمر به الرسل من الإنذار.
قوله تعالى:"خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون"تقدم معنى خلق السماوات والأرض بالحق ، ولازم خلقها بالحق أن لا يكون للباطل فيها أثر ، ولذلك عقبه بتنزيهه عن الشركاء الذين يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله ويهدوهم إلى الخير ويقوهم الشر فإنهم من الباطل الذي لا أثر له.
وفي الآية والآيات التالية لها احتجاج على وحدانيته تعالى في الألوهية والربوبية من جهتي الخلق والتدبير جميعا فإن الخلق والإيجاد آية الألوهية وكون الخلق بعضها نعمة بالنسبة إلى بعض آية الربوبية لأن الشيء لا يكون نعمة بالنسبة إلى آخر إلا عن ارتباط بينهما واتصال من أحدهما بالآخر يؤدي إلى نظام جامع بينهما وتدبير واحد يجمعهما ، ووحدة التدبير آية وحدة المدبر فكون ما في السماوات والأرض من مخلوق نعما للإنسان يدل على أن الله سبحانه وحده ربه ورب كل شيء.
قوله تعالى:"خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين"المراد به الخلق الجاري في النوع الإنساني وهو جعل نسله من النطفة فلا يشمل آدم وعيسى (عليه السلام) .