فهرس الكتاب

الصفحة 2513 من 4314

و الخصيم صفة مشبهة من الخصومة وهي الجدال ، والآية وإن أمكن أن تحمل على الامتنان حيث إن من عظيم المن أن يبدل الله سبحانه بقدرته التامة قطرة من ماء مهين إنسانا كامل الخلقة منطيقا متكلما ينبىء عن كل ما جل ودق ببيانه البليغ لكن كثرة الآيات التي توبخ الإنسان وتقرعه على وقاحته في خصامه في ربه كقوله تعالى:"أ ولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم": يس: 78 ترجح أن يكون المراد بذيل الآية بيان وقاحة الإنسان.

ويؤيد ذلك أيضا بعض التأييد ما في ذيل الآية السابقة من تنزيهه تعالى من شركهم.

قوله تعالى:"و الأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون"الأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم سميت بذلك لنعمة مسها بخلاف الحافر الذي يصلب كذا في المجمع ، وفي المفردات: الدفء خلاف البرد.

انتهى.

وكأن المراد بالدفء ما يحصل من جلودها وأصوافها وأوبارها من الحرارة للاتقاء من البرد ، أو المراد بالدفء ما يدفأ به.

والمراد بالمنافع سائر ما يستفاد منها لغير الدفء من أصوافها وأوبارها وجلودها وألبانها وشحومها وغير ذلك ، وقوله:"لكم"يمكن أن يكون متعلقا بقوله:"خلقها"ويكون قوله:"فيها دفء ومنافع"حالا من ضمير"خلقها"ويمكن أن يكون"لكم"ظرفا مستقرا متعلقا بالجملة الثانية أي في الأنعام دفء كائنا لكم.

قوله تعالى:"و لكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون"الجمال الزينة وحسن المنظر ، قال في المجمع: الإراحة رد الماشية بالعشي من مراعيها إلى منازلها والمكان الذي تراح فيه مراح ، والسروح خروج الماشية إلى المرعى بالغداة ، يقال: سرحت الماشية سرحا وسروحا وسرحها أهلها.

انتهى.

يقول تعالى: ولكم في الأنعام منظر حسن حين تردونها بالعشي إلى منازلها وحين تخرجونها بالغداة إلى مراعيها.

قوله تعالى:"و تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم"الأثقال جمع ثقل وهو المتاع الذي يثقل حمله والمراد بقوله:"بشق الأنفس"مشقة تتحملها الأنفس في قطع المسافات البعيدة والمسالك الصعبة.

والمراد أن الأنعام كالإبل وبعض البقر تحمل أمتعتكم الثقيلة إلى بلد ليس يتيسر لكم بلوغها إلا بمشقة تتحملها أنفسكم فرفع عنكم المشاق بخلقها وتسخيرها لكم إن ربكم رءوف رحيم.

قوله تعالى:"و الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون"معطوف على الأنعام فيما مر أي والخيل والبغال والحمير خلقها لكم لتركبوها ، وزينة أي إن في خلقها ارتباطا بمنافعكم وذلك أنكم تركبونها وتتخذونها زينة وجمالا ، وقوله:"و يخلق ما لا تعلمون"أي يخلق ما لا علم لكم به من الحيوان وغيره ، وسخرها لكم لتنتفعوا بها ، والدليل على ما قدرناه هو السياق.

قوله تعالى:"و على الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين"القصد - على ما ذكره الراغب وغيره - استقامة الطريق وهو كونه قيما على سالكيه أوصلهم إلى الغاية ، والظاهر أن المصدر بمعنى الفاعل والإضافة من إضافة الصفة إلى موصوفها والمراد السبيل القاصد بدليل مقابلته بقوله:"و منها جائر"أي ومن السبيل ما هو جائر أي مائل عن الغاية يورد سالكيه غيرها ويضلهم عنها.

والمراد بكون قصد السبيل على الله وجوب جعل سبيل قاصد عليه تعالى يسلكه عباده فيوردهم مورد السعادة والفلاح وإذ لا حاكم غيره يحكم عليه فهو الذي أوجب على نفسه أن يجعل لهم طريقا هذا نعته ثم يهديهم إليه أما الجعل فهو ما جهز الله كل موجود ومنها الإنسان من القوى والأدوات بما لو استعملها كما نظمت أدته إلى سعادته وكماله المطلوب قال تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، وقال في الإنسان خاصة:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله": الروم: 30.

وأما الهداية فهي التي فعلها من ناحية الفطرة وتناهى بما من طريق بعث الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع قال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8 ، وقال:"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الدهر: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت