فهرس الكتاب

الصفحة 2514 من 4314

و إنما أدرج سبحانه هذه الآية بين هذه الآيات التي سياقها عد النعم العلوية والسفلية من السماء والأرض والأنعام والخيل والبغال والحمير والماء النازل من السماء والزرع ونظائرها لما أن الكلام انجر في آيتي الأنعام والخيل إلى معنى قطع الطرق وركوب المراكب فناسب أن يذكر ما أنعم به من الطريق المعنوي الموصل للإنسان إلى غايته الحقيقية يبتغيها في مسير الحياة كما أنعم بمثله في عالم المادة ونشأة الصورة.

فذكر سبحانه أن من نعمه التي من بها على عباده أن أوجب على نفسه لهم سبيلا قاصدا يوصلهم إلى سعادة حياتهم فجعله لهم وهداهم إليه.

وقد نسب سبحانه قصد السبيل إلى نفسه دون السبيل الجائر لأن سبيل الضلال ليس سبيلا مجعولا له وفي عرض سبيل الهدى وإنما هو الخروج عن السبيل وعدم التلبس بسلوكه فليس بسبيل حقيقة وإنما هو عدم السبيل.

وكيف كان فالآية ظاهرة في نسبة قصد السبيل إليه تعالى وترك نسبة السبيل الجائر المؤدي بسبب المقابلة إلى نفي نسبته إليه تعالى.

وإذ كان من الممكن أن يتوهم أن لازم جعله قصد السبيل أن يكون مكفورا في نعمته مغلوبا في تدبيره وربوبيته حيث جعل السبيل ولم يسلكه الأكثرون وهدى إليه ولم يهتد به المدعوون دفعه بقوله تعالى:"و لو شاء لهداكم أجمعين"أي إن عدم اهتداء الجميع ليس لعجز منه سبحانه عن ذلك أو غلبة من هؤلاء المتخلفين وظهورهم عليه بل لأنه تعالى لم يشأ ذلك ولو شاء لم يسعهم إلا أن يهتدوا جميعا فهو القاهر الغالب على كل حال.

وبعبارة أخرى السبيل القاصد الذي جعله الله تعالى هو السبيل المبني على اختيار الإنسان يقطعه بإتيان الأعمال الصالحة واجتناب المعاصي عن اختيار منه ، وما هذا شأنه لم يكن مما يجبر عليه ولا عاما للجميع فإن الطبائع متنوعة والتراكيب مختلفة ولا محالة تتنوع آثارها ، ويختلف الأفراد بالإيمان والكفر والتقوى والفجور والطاعة والمعصية.

والآية مما تشاجرت فيها الأشاعرة والمعتزلة من فرق المسلمين فاستدلت المعتزلة بأن تغيير الأسلوب بجعل قصد السبيل على الله دون السبيل الجائر للدلالة على ما يجوز إضافته إليه تعالى وما لا يجوز كما ذكره في الكشاف.

وتكلفت الأشاعرة في الجواب عنه فمن مجيب بأن السبيلين جميعا منه تعالى وإنما لم ينسب السبيل الجائر إليه تأدبا ، ومن مجيب بأن المراد بقوله:"و على الله قصد السبيل"أن عليه تعالى بيان السبيل الحق فضلا وكرما منه دون بيان السبيل الجائر وأما أصل الجعل فهما جميعا مجعولان له تعالى ، ومن منكر أن يكون تغيير الأسلوب في الآية لأمر مطلوب.

والحق أن دلالة الآية على كون قصد السبيل مضافا إليه تعالى دون السبيل الجائر مما لا ريب فيه لكن ذلك لا يستلزم كون السبيل الجائر مخلوقا لغيره تعالى لما تقدم أن سبيل الضلال ليس بسبيل حقيقة بل حقيقته عدم سلوك سبيل الهدى كما أن الضلال عدم الهدى فليس بأمر موجود حتى ينسب خلقه وإيجاده إليه تعالى وإنما ينسب الضلال إليه تعالى فيما ينسب بمعنى عدم هدايته للضال أي عدم إيجاده الهدى في نفسه.

ومع ذلك فالذي ينسب إليه من الضلال كما في قوله:"يضل من يشاء ويهدي من يشاء": فاطر: 8 ، وقوله:"يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا": البقرة: 26 ، هو الضلال بطريق المجازاة دون الضلال الابتدائي ، كما يفسره قوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 ، فإذا فسق الإنسان وخرج بسوء اختياره عن زي العبودية بأن عصى ولم يرجع وهو ضلاله الابتدائي من قبل نفسه جازاه الله بالضلال بأن أثبته على حاله ولم يقض عليه الهدى.

وأما الضلال الابتدائي من الإنسان فإنما هو انكفاف وقصور عن الطاعة وقد هداه الله من طريق الفطرة ودعوة النبوة.

قوله تعالى:"هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون"شروع في نوع آخر من النعم وهي النعم النباتية التي يقتات بها الإنسان وغيره وما سخر له لتدبير أمرها كالليل والنهار والشمس والقمر وما يحذو حذوها ، ولذلك غير السياق فقال:"هو الذي"إلخ ، ولم يقل: وأنزل من السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت